ثلاث إشارات في الذكاء الاصطناعي يرصدها اقتصادي حائز على نوبل
الاقتصادي دارون أسيموغلو الحائز على نوبل يُحدِّد ثلاثة محاور حاسمة لمتابعة تأثير الذكاء الاصطناعي، من قيود الوكلاء إلى تأثير شركات التقنية في توجيه الخطاب الاقتصادي.

يُقدِّم الاقتصادي دارون أسيموغلو، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، رؤية أكثر تحفظاً بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي مقارنة بالتوقعات المتفائلة الصادرة عن وادي السيليكون. ففي بحث نشره عام 2024، قدّر أن الذكاء الاصطناعي سيُحقِّق مكاسب إنتاجية متواضعة، ولن يُلغي العمل البشري، خلافاً لتصريحات قطاع التكنولوجيا التي تتنبأ بتحويل جميع الوظائف ذات الياقات البيضاء.
وبالرغم من القلق المُتواصل في الرأي العام إزاء ما يُوصَف بأنه كارثة وظيفية وشيكة بسبب الذكاء الاصطناعي، فإن بيانات سوق العمل تواصل دعم تحليل أسيموغلو الرصين. إذ تُظهر الأبحاث الراهنة أن الذكاء الاصطناعي لم يُؤثّر بشكل ملحوظ في معدلات التوظيف ولا في أنماط تسريح العمال، وإن كانت التطورات التقنية، خصوصاً في أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل، تستحق متابعة دؤوبة.
يُحدِّد أسيموغلو ثلاثة محاور رئيسية ينبغي مراقبتها بعناية. أولاً، يواجه وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يعملون باستقلالية قيوداً جوهرية في التعامل مع المهام المُتنوعة التي تتألف منها معظم الوظائف. فأخصائي التصوير بالأشعة السينية، على سبيل المثال، يُدير ما يقارب ثلاثين وظيفة مختلفة تتطلب قدرات تبديل طبيعي بين المهام لا تستطيع الوكلاء الحاليين محاكاتها بكفاءة عبر صيغ وأنظمة متباينة.
ثانياً، تُطلق شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى حملات استقطاب مكثفة لاقتصاديين بارزين بهدف تشكيل السرديات حول التأثير الاقتصادي لتقنياتها. فقد عيّنت شركة أوبن إيه آي الاقتصادي روني تشاترجي كبيراً للاقتصاديين، وعقدت شراكة مع جايسون فورمان من جامعة هارفارد، فيما شكّلت شركة أنثروبيك مجلساً استشارياً اقتصادياً. ويُثير هذا النمط في التوظيف مخاوف بشأن احتمال انحياز التمويل البحثي المُؤثِّر في صياغة السياسات العامة.
ثالثاً، تفتقر التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي إلى سهولة الاستخدام التي ميّزت تقنيات تحويلية سابقة كبرامج باوربوينت ووورد. فدون واجهات بديهية تُتيح تبنّياً واسع النطاق، يبقى التأثير الاقتصادي الفعلي للذكاء الاصطناعي محدوداً مقارنة بالوعود الخطابية المُتداولة في الإعلام والأسواق المالية. ويرى أسيموغلو أن الفجوة بين الإمكانيات التقنية والتطبيق الجماهيري الواسع هي ما يُعطّل تحقيق المكاسب الإنتاجية المُعلنة.
ويُذكِّر أسيموغلو في طرحه بضرورة التمييز بين قدرات النماذج الكبيرة المُذهلة في المعامل، وبين قدرتها الفعلية على إحداث تحوُّل اقتصادي واسع. فالتقنيات الكبرى في التاريخ، من الكهرباء إلى الإنترنت، احتاجت عقوداً قبل أن تُترجم إلى قفزات إنتاجية ملموسة، وذلك بعد أن أعادت الشركات والمجتمعات هيكلة عملياتها وممارساتها لاستيعابها. ويُجادل أسيموغلو بأن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى المسار نفسه، وليس قفزة فجائية كما يُروَّج له اليوم.
وبالنسبة للعالم العربي، تكتسب رؤية أسيموغلو أهمية مُضاعفة في ضوء الاستثمارات الضخمة التي تضخّها دول الخليج في الذكاء الاصطناعي. فقد ضخّت المملكة العربية السعودية عبر شركة هيوماين 100 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فيما تستثمر الإمارات عبر مجموعة جي 42 وصندوق إم جي إكس مليارات الدولارات في الشرائح والنماذج اللغوية الكبيرة. وتطلق سدايا السعودية وهيئة تنظيم الذكاء الاصطناعي الإماراتية أطراً تنظيمية متقدمة، إلا أن السؤال الجوهري الذي يطرحه أسيموغلو يبقى صالحاً عربياً: هل ستتحول هذه الاستثمارات إلى مكاسب إنتاجية حقيقية في الاقتصادات العربية، أم ستبقى رهينة الواجهات والتطبيقات النخبوية دون أن تطال السواد الأعظم من القوى العاملة في المنطقة؟
ويبقى التحدي الأكبر، وفق أسيموغلو، هو الحرص على عدم استبدال تحليل اقتصادي مستقل بسرديات مدفوعة من الشركات المُستفيدة. فالاستثمار في تطوير معايير قياس مستقلة لتأثير الذكاء الاصطناعي على الإنتاجية والوظائف، وفي بناء قدرات بحثية جامعية محايدة، يُعدّ شرطاً ضرورياً لاتخاذ قرارات سياسية واقتصادية صائبة في هذه الحقبة المضطربة.
المزيد من ذكاء اصطناعي

ارتفاع منسوب البحار يهدد غابات المانغروف ويحوّلها من خزانات إلى مصادر كربون
دراسة من جامعة إكستر تكشف أن ارتفاع مستوى البحار سيُقلص قدرة غابات المانغروف على تخزين الكربون الأزرق، محوّلًا هذه الأنظمة البيئية الساحلية من مستودعات كربون أساسية إلى مصادر انبعاث تُفاقم التغير المناخي.

طلب بسيط يخترق وكيل الذكاء الاصطناعي لميتا ويكشف ثغرات أمن المساعدين الذكيين
مهاجمون استغلوا وكيل دعم العملاء الذكي في ميتا لتغيير عناوين البريد الإلكتروني لحسابات إنستغرام بطلب مباشر، كاشفين عن ثغرات بنيوية في تصميم عوامل الذكاء الاصطناعي المكلّفة بعمليات حساسة.
طريقة جديدة للكشف عن أزواج الثقوب السوداء الهائلة عبر ومضات نجمية متكررة
فريق بحثي من أكسفورد ومعهد ماكس بلانك يقترح منهجية مبتكرة لرصد أزواج الثقوب السوداء الهائلة الكامنة في مراكز المجرات عبر التعدس الجاذبي الذي يُنتج ومضات نجمية متكررة قابلة للتحليل.