تزامن كمومي أحادي الاتجاه: خطوة نحو حواسيب كمومية أكثر موثوقية
علماء مركز RIKEN للحوسبة الكمومية في اليابان يحققون إنجازاً في التزامن الكمومي للفونونات يعمل في اتجاه واحد فقط، مما يمنح المنظومات الكمومية مقاومةً أعلى للضوضاء وعيوب التصنيع.

حقّق علماء مركز RIKEN للحوسبة الكمومية في اليابان إنجازاً بارزاً يُعدّ خطوة مهمة نحو بناء حواسيب كمومية أكثر استقراراً وموثوقية؛ إذ طوّروا ما يُعرف بالتزامن الكمومي غير التبادلي للفونونات، وهو نوع من التزامن الكمومي يعمل في اتجاه واحد فحسب ولا يمكن عكسه. ونُشر البحث في مجلة Nature Communications.
يُعدّ مفهوم الفونون من المفاهيم الأساسية في فيزياء المادة الكثيفة، وهو يُمثّل الكمّ الكمي لاهتزازات الصوت داخل الشبكات البلورية، على غرار ما يُمثّله الفوتون بالنسبة للضوء. وفي المنظومات الكمومية، يمكن توظيف الفونونات كحاملات للمعلومات أو كموارد للتشابك الكمومي. والتحدي الكبير يكمن في الحفاظ على هذه الفونونات متزامنةً ومتسقة في بيئة تزخر بالضوضاء وعيوب التصنيع.
ما أنجزه الباحثون فرانكو نوري وآدم ميرانويتش ودينغ قاو لاي هو تحقيق حالة من التزامن الكمومي بين الفونونات تسير في اتجاه واحد لا يمكن عكسه. فكما تسمح الصمامات الكهربائية في الإلكترونيات الكلاسيكية للتيار بالتدفق في اتجاه واحد دون الآخر، تسمح هذه المنظومة للتزامن الكمومي بالانتشار من نقطة إلى أخرى لكنه لا يرتد في الاتجاه المعاكس. وقد أطلق الباحثون على هذه الخاصية اسم «عدم التبادلية».
يُعالج هذا الإنجاز تحدياً جوهرياً طالما أعاق التقدم في تقنيات الحوسبة الكمومية؛ إذ قال الباحث آدم ميرانويتش إن «التقنيات الكمومية العملية تواجه تحديات بالغة الأثر ناجمة عن عيوب التصنيع العشوائية والضوضاء البيئية». فأي منظومة كمومية معرّضة باستمرار لاضطرابات خارجية تُدمّر التشابك الكمومي وتُفسد الحسابات. والحل الكلاسيكي يتمثّل في إضافة طبقات معقّدة من بروتوكولات تصحيح الأخطاء، غير أن ذلك يستهلك موارد ضخمة ويُضيف تعقيداً هندسياً كبيراً.
بدلاً من ذلك، استغلّ فريق RIKEN تأثيرات كمومية مُدمَجة تُتيح للمنظومة أن تحافظ على التزامن بصورة ذاتية حتى في وجود قدر كبير من العيوب والضوضاء. وقد أثبتت التجارب أن التزامن الكمومي يستمر حتى مع وجود قدر ملحوظ من العيوب في المنظومة، وهو ما يُمثّل تقدماً نوعياً مقارنةً بالمقاربات السابقة التي كانت تتطلب بيئة شبه مثالية.
تتجاوز أهمية هذا الاكتشاف حدود التزامن وحده؛ إذ يرى الباحثون أن التطبيقات المحتملة تشمل بناء معالجات كمومية أكثر مقاومةً لعيوب التصنيع، وتعزيز استقرار الشبكات الكمومية التي تتناقل المعلومات على مسافات بعيدة، فضلاً عن تمكين معالجة المعلومات الكمومية المقاومة للأخطاء. وهذه المزايا الثلاث تُعدّ من أكثر المتطلبات إلحاحاً في مجال الحوسبة الكمومية العملية.
تُشير تقارير الصناعة إلى أن أحد أكبر العوائق أمام تجاري الحواسيب الكمومية يتمثّل في هشاشة الحالات الكمومية وسرعة فقدان تماسكها في البيئات الحقيقية. وقد ضخّت شركات كبرى كـIBM وGoogle وMicrosoft مليارات الدولارات في البحث عن حلول لهذه المعضلة. ويأتي عمل فريق RIKEN ليُقدّم مساراً بديلاً قائماً على الاستفادة من خصائص كمومية أعمق بدلاً من مجرد حماية الحالات القائمة من التدهور.
وعلى صعيد المنطقة العربية، بدأت المملكة العربية السعودية تُبدي اهتماماً متزايداً بالحوسبة الكمومية في إطار رؤية 2030؛ إذ أبرمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) شراكات مع كبرى شركات التقنية للاستفادة من تقنيات الحوسبة المتقدمة. كما تعمل الإمارات العربية المتحدة على تطوير كفاءات وطنية في هذا المجال ضمن منظومتها للتقنيات المتقدمة. وإذا أسهمت أبحاث مركز RIKEN في تسريع الوصول إلى حواسيب كمومية موثوقة، فإن المنطقة العربية التي تستثمر بكثافة في القطاعات المالية والصحية والطاقة قد تكون في طليعة المستفيدين من هذه القفزة التكنولوجية.
لا يُعدّ هذا الإنجاز استعداداً للتطبيق التجاري الفوري، بل يُرسي أسساً نظرية وتجريبية قد يبني عليها مهندسو الحواسيب الكمومية في المستقبل. ومع ذلك، فإن إثبات جدوى التزامن الكمومي غير التبادلي في بيئة مضطربة حقيقية يُمثّل خطوة مفصلية في مسيرة طويلة نحو جعل الحوسبة الكمومية تقنيةً عملية ومتاحة يمكنها حل مسائل تعجز عنها أقوى الحواسيب الكلاسيكية اليوم.
المزيد من علوم

إنجاز ألماني في توربينات الهيدروجين: 303 ثوانٍ بلا ضاغط ميكانيكي
سجّل معهد كارلسروه الألماني رقماً قياسياً بتشغيل توربين هيدروجيني بلا ضاغط لـ303 ثوانٍ معتمداً موجات الانفجار، مما يُبشّر بتوليد طاقة نظيفة أعلى كفاءة.

تجربة كمومية تُثبت أن الفوتونات تقضي زمناً سالباً حقيقياً داخل السحاب الذري
أكد باحثون من جامعة غريفيث الأسترالية بقياسات ضعيفة دقيقة أن الفوتونات تُمضي زمناً سالباً قابلاً للقياس داخل سحاب ذري، مؤكدين أن هذه الظاهرة الكمومية حقيقية لا وهم رياضي.
الدماغ مُبرمج لاسترداد الوزن الزائد: لماذا تفشل الحميات على المدى البعيد؟
علماء يُبيّنون أن الدماغ البشري يعامل الوزن السابق كـ«نقطة صواب» ويحفّز الجسم لاسترداده عبر آليات بيولوجية متطورة، مما يُفسّر لماذا تفشل معظم الحميات على المدى البعيد.
الذكاء الاصطناعي يرصد انتشاراً مقلقاً للطحالب في محيطات العالم بمعدل 13% سنوياً
تحليل 1.2 مليون صورة فضائية بالذكاء الاصطناعي يكشف تمدداً غير مسبوق للطحالب الكبيرة في المحيطات منذ عقدين، مع تداعيات بيئية واقتصادية خطيرة على السواحل.
موجات عملاقة تسرق غلاف المريخ الجوي وتُلقيه في الفضاء
بيانات مسبارَي MAVEN وتيانوان-1 تكشف كيف تُولّد الرياح الشمسية موجات ضخمة تنتزع جزيئات الغلاف الجوي لكوكب المريخ، مما يُلقي ضوءاً على لغز تحوّله من كوكب ربما كان صالحاً للحياة.
الزلازل القمرية قد تكشف عن مخزون مياه خفي تحت سطح القمر
باحثون يثبتون أن الموجات الزلزالية يمكنها الكشف عن طبقات الجليد القمري المختبئة في باطن القمر، مما قد يُيسّر إمداد رواد الفضاء بالمياه والوقود في مهمات الاستكشاف القادمة.