تجربة قياسية: علماء يضعون كتلة معدنية في مكانين معاً عبر التراكب الكمي
حقّق فيزيائيون من فيينا ودويسبورغ-إيسن قياساً قياسياً للضخامة الكمية بإثبات أن جسيمات نانوية معدنية تحتوي آلاف الذرات يُمكن أن توجد في حالة تراكب كمي.

حقّق فيزيائيون في جامعة فيينا النمساوية وجامعة دويسبورغ-إيسن الألمانية إنجازاً علمياً لافتاً، إذ أثبتوا تجريبياً أن جسيمات نانوية معدنية مصنوعة من الصوديوم وتحتوي على آلاف الذرات قادرة على البقاء في حالة تراكب كمي، أي التواجد في أكثر من موضع في الوقت نفسه. ويُمثِّل هذا الإنجاز توسيعاً غير مسبوق لحدود ميكانيكا الكم نحو نطاق المادة المُجمَّعة، التي طالما اعتُبرت محكومة بقوانين الفيزياء الكلاسيكية فقط.
اعتمد الفريق على جسيمات نانوية يبلغ قطرها نحو ثمانية نانومترات وكتلتها تتجاوز 170 ألف وحدة كتلة ذرية، ثم مرّرها عبر ثلاث شبكات حيود ضوئية أنتجتها أشعة ليزر فوق بنفسجية. وأفرزت التجربة أنماط تداخل كمي قابلة للقياس، وهو دليل قاطع على أن البنى المعدنية الأكبر نسبياً تخضع لمبادئ ميكانيكا الكم، لا لقوانين نيوتن الكلاسيكية كما يُفترض عادة على هذه الأحجام.
وبلغ الباحثون قيمة لمقياس الضخامة الكمية تساوي 15.5، وهو ما يصفونه بأنه يتجاوز التجارب السابقة في العالم بمقدار رتبة كاملة. ولتوضيح الفارق، فإن التجارب القائمة على الإلكترونات تحتاج إلى الحفاظ على حالة التراكب لما يقارب مئة مليون عام لتحقيق دقة مماثلة، في حين أنجز الفريق الفييني المهمة عبر جسيمات نانوية معدنية في جزء من مئة من الثانية تقريباً.
وتُعيد هذه النتائج فتح جدل علمي قديم حول الحد الفاصل بين العالمَين الكمي والكلاسيكي، إذ تُشير إلى أن التأثيرات الكمية قد تمتد إلى أحجام تقترب من العالم العياني المُتعارَف عليه. ويُمثِّل ذلك تحدياً صريحاً للحدس المُعتاد بشأن المرحلة التي تنتقل فيها المادة من السلوك الكمي الغريب إلى السلوك الكلاسيكي المألوف، وقد تكون له تبعات عميقة على فهمنا للظاهرة الانهيارية للدالة الموجية ولفلسفة القياس الكمي.
وإلى جانب البعد النظري العميق، تنفتح أمام هذا النوع من التجارب آفاق تطبيقية واعدة في مجال تكنولوجيا النانو وأجهزة الاستشعار فائقة الدقة. فالقدرة على التحكم في تراكب أنظمة بهذا الحجم قد تُفضي إلى مستشعرات قادرة على رصد قوى الجاذبية الدقيقة أو الحقول المغناطيسية الضعيفة بحساسية لم تكن متاحة من قبل، فضلاً عن إسهامها المُحتمل في تطوير تقنيات الحوسبة الكمية والميترولوجيا الذرية.
وفي العالم العربي، يكتسب هذا الحقل البحثي أهمية متصاعدة. فقد أعلنت جامعة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية كاوست في السعودية عن استثمارات مُتزايدة في أبحاث المواد النانوية والحوسبة الكمية، فيما أطلقت جامعة خليفة في الإمارات مركزاً متخصصاً في علوم الكم بالتعاون مع شركاء دوليين، وانضمت قطر عبر مؤسسة قطر إلى المبادرة الأوروبية للحوسبة الكمية. كما يستضيف معهد ماكس بلانك للأشعة فوق البنفسجية ومُعجِّل سيسامي في الأردن باحثين عرباً يُسهمون في تطوير المنظومات البحثية الإقليمية في فيزياء الجسيمات والكم.
ويعتزم الفريق الباحث في خطواته المقبلة استكشاف جسيمات أكبر حجماً واختبار مواد متنوعة، أملاً في رفع مقياس الضخامة الكمية إلى قيم أعلى بعد. وسيُتيح ذلك مع الزمن اقتراب العلماء أكثر من فهم سؤال جوهري في الفيزياء المعاصرة: أين بالضبط ينتهي العالم الكمي ويبدأ عالمنا اليومي، وهل ثمة فعلاً حدّ صارم بينهما، أم أن السلوك الكمي حاضر في كل المقاييس بانتظار من يكشفه؟
المزيد من الهندسة الإلكترونية

ارتفاع منسوب البحار يهدد غابات المانغروف ويحوّلها من خزانات إلى مصادر كربون
دراسة من جامعة إكستر تكشف أن ارتفاع مستوى البحار سيُقلص قدرة غابات المانغروف على تخزين الكربون الأزرق، محوّلًا هذه الأنظمة البيئية الساحلية من مستودعات كربون أساسية إلى مصادر انبعاث تُفاقم التغير المناخي.
طريقة جديدة للكشف عن أزواج الثقوب السوداء الهائلة عبر ومضات نجمية متكررة
فريق بحثي من أكسفورد ومعهد ماكس بلانك يقترح منهجية مبتكرة لرصد أزواج الثقوب السوداء الهائلة الكامنة في مراكز المجرات عبر التعدس الجاذبي الذي يُنتج ومضات نجمية متكررة قابلة للتحليل.

هل تسرق روبوتات الدردشة الذكية قدرتنا على التفكير والتركيز؟
عالمة نفس من UC Irvine تُطلق تحذيرات من الإسناد المعرفي المفرط لأدوات الذكاء الاصطناعي، مستندةً إلى بيانات تُظهر تراجع متوسط فترة التركيز من دقيقتين ونصف في 2003 إلى 47 ثانية فقط بحلول 2020.