مختبر ناسا للذرات الباردة في الفضاء يُنتج أغرب حالات المادة

يحقق مختبر الذرات الباردة على متن محطة الفضاء الدولية طفرة علمية بإنتاج تكثف بوز-أينشتاين في بيئة انعدام الجاذبية، مما يمكّن من دراسة الظواهر الكمية بدقة غير مسبوقة.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٤ يونيو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
١
الوقت
قراءة دقيقتين
فقاعات غاز فائق البرودة في مختبر ناسا للذرات الباردة على متن المحطة الفضائية

في عام 2018، أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا مختبراً فريداً من نوعه على متن محطة الفضاء الدولية، لا يتجاوز حجمه ثلاجةً صغيرة، غير أنه يُجري تجارب كانت مستحيلة على كوكب الأرض. هذا المختبر هو مختبر الذرات الباردة، الذي يبرّد الذرات إلى درجات حرارة تقترب من الصفر المطلق، مُنتجاً ما يُعدّ من أغرب حالات المادة المعروفة: تكثف بوز-أينشتاين.

تكثف بوز-أينشتاين هو حالة المادة الخامسة، تظهر حين يُبرَّد غاز من ذرات الروبيديوم أو البوتاسيوم إلى درجات حرارة تقترب من ناقص 273 درجة مئوية. عند تلك البرودة الشديدة، تفقد الذرات هويتها الفردية وتتصرف كموجة كمية واحدة موحّدة؛ ظاهرة يُطلق عليها الفيزيائيون موجات المادة. هذا التحول الجذري في سلوك المادة يمنح العلماء القدرة على مراقبة قوانين ميكانيكا الكم مضخّمةً بشكل يكفي للرصد والقياس المباشر.

في يونيو 2026، أعلنت ناسا عن إجراء الترقية الرابعة للمختبر منذ تشغيله، مما أضاف قدرات جديدة وأتاح لخمس فرق علمية دولية استخدامه في آنٍ واحد. تشمل التحسينات الأخيرة تصميماً جديداً لفخ المجال المغناطيسي يُتيح تشكيل سحب الغاز الكمي بأشكال مختلفة، فضلاً عن مصادر معدنية محسّنة تُطيل مدة الدراسة وتُعزز جودة النتائج.

يقول جايسون ويليامز، العالم الرئيسي للمشروع في ناسا: عند أشد درجات البرودة، تتصرف المادة بطريقة مختلفة جذرياً عن كل ما نعرفه في تجاربنا اليومية، موضحاً أن هذا يُتيح قياسات فائقة الدقة للزمن والجاذبية والحركة.

يكمن السبب في اختيار الفضاء بدلاً من المختبرات الأرضية في مزايا بيئة الجاذبية الصغرى. على الأرض، حتى أكثر المختبرات تطوراً لا تستطيع الحيلولة دون تأثير الجاذبية على الغازات المبرّدة، مما يُحدّ من مدة التجارب وجودتها. أما في مدار المحطة الفضائية، فتتشكّل سحب الغاز الكمي بصورة كروية متناسقة وتبقى ثابتة لفترات أطول بكثير، مما يمنح العلماء وصولاً إلى درجات حرارة أدنى وموجات مادية أكبر وأكثر استقراراً.

تبرز آفاق تطبيقية واسعة من وراء هذه الأبحاث. تكنولوجيا التبريد بالليزر وأشباه المستشعرات الكمية التي تُختبر في المختبر قد تُفضي في المستقبل إلى تطبيقات عملية متنوعة: من قياس الجاذبية من الفضاء لرصد تغيرات الجليد والمياه الجوفية على الأرض، إلى بناء ساعات ذرية بدقة تتجاوز ما هو ممكن اليوم بما يعزز أنظمة تحديد الموقع العالمي.

تنعكس نتائج مختبر الذرات الباردة على مسيرة العالم العربي نحو التقنيات المتقدمة؛ فالإمارات والمملكة العربية السعودية وقطر تستثمر في مجال الحوسبة الكمية والتقنيات الفيزيائية المتقدمة ضمن إطار رؤى التنويع الاقتصادي، وتسعى إلى شراكات بحثية مع مراكز علمية دولية. وتُشير وكالة الفضاء الإماراتية إلى أن توسيع مشاركة الباحثين العرب في تجارب المحطة الفضائية الدولية هدف استراتيجي ضمن خطة الإمارات الفضائية 2031، مما يجعل هذا النوع من البحوث الفضائية الأساسية جزءاً من أفق التعاون المستقبلي.

يعمل في المختبر حالياً فرق من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، إذ يتحكم كل فريق في تجاربه عن بُعد من مختبراته الأرضية. ما يبدو اليوم علماً نظرياً بعيداً عن التطبيق قد يُشكّل ثورة تقنية في عقود قادمة، تماماً كما أن أبحاث ميكانيكا الكم الأولى في القرن العشرين هي التي فتحت الطريق أمام ثورة الحوسبة التي نعيشها اليوم. في عالم يتسابق فيه الجميع نحو الفضاء، تُذكّرنا هذه التجارب الهادئة بأن القيمة الحقيقية للفضاء تكمن أحياناً في المختبرات الصغيرة التي تستكشف قوانين الكون الجوهرية.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

زوجان في منتصف العمر يمارسان الركض الخفيف برفقة رمزية ساعة ولولب للحمض النووي

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر

أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.

MIT Technology Review
سمكة قرش سوداء الزعنفة تسبح في مياه ضحلة وصافية قبالة سواحل فلوريدا

دراسة ميدانية تكشف كيف تسمع أسماك القرش وتحدد مصدر الصوت من 74 متراً

أجرى باحثون أمريكيون أول دراسة ميدانية كمّية لسمع أسماك القرش الحرة في المحيط، وتبيّن أن أسماك القرش السوداء الزعنفة تكشف الأصوات منخفضة التردد من مسافة تصل إلى 74 متراً وتحدد اتجاهها بدقة.

ScienceDaily
تصور فني لذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية في حقل ليزر متضمّن

فيزيائيون في كالتك يرصدون سلّماً طاقياً كمومياً تنبأت به نظرية قبل 40 عاماً

تمكّن فيزيائيون في معهد كالتك من قياس أنماط طاقة كمومية تنبأت بها نظرية الحقل المطابق منذ أربعة عقود، باستخدام ذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية، في تأكيد تجريبي دقيق لنظرية رياضية طويلة الأمد.

ScienceDaily
رسم توضيحي لتراكم لويحات الكوليسترول داخل وعاء دموي متصلب

دراسة ضخمة: واحد من كل 13 شاباً يحمل تصلب شرايين صامتاً دون أن يعلم

كشفت دراسة REACT التي شملت أكثر من 16800 شخص سليم ظاهرياً أن تصلب الشرايين يبدأ في سن مبكرة أكثر من المتوقع، حيث يحمله واحد من كل 13 شاباً بين 18 و29 عاماً دون أي أعراض.

ScienceDaily
صاروخ لونغ مارش 6 إيه يقلع من موقع تايوان حاملاً أقمار ياوغان-40

الصين تطلق أقمار Guowang وYaogan-40 وتستعد لربع أخير حافل بالإطلاقات

أطلقت الصين دفعة جديدة من أقمار اتصالات Guowang وأقمار استطلاع Yaogan-40، في إطار سعيها لتجاوز 100 عملية إطلاق فضائي خلال عام 2026 للمرة الأولى في تاريخها.

SpaceNews
صورة بانورامية ملونة من المريخ احتفالاً ببلوغ المسبار كيوريوسيتي خمسة آلاف يوم مريخي

المسبار كيوريوسيتي يحتفل بخمسة آلاف يوم مريخي بصورة بانورامية مذهلة

بلغ مسبار ناسا كيوريوسيتي 5000 يوم مريخي على سطح المريخ، واحتفل بهذا الإنجاز بصورة بانورامية جمعت مشهدي الصباح والمساء من فوهة غيل، تُظهر سفوح جبل شارب المجاورة.

ScienceDaily
مختبر ناسا للذرات الباردة في الفضاء يُنتج أغرب حالات المادة — ألمعي