كيوريوسيتي يرصد جزيئات عضوية معقدة على المريخ تعود إلى 3.5 مليار سنة
اكتشف مسبار كيوريوسيتي التابع لناسا أكثر من عشرين مركباً عضوياً في صخور المريخ الطينية القديمة، من بينها جزيء يشبه مكونات الحمض النووي، مما يفتح آفاقاً جديدة في البحث عن الحياة.

كشف مسبار كيوريوسيتي التابع لوكالة ناسا عن اكتشاف علمي بارز في أعماق الجيولوجيا المريخية، إذ رصد فريق بحثي بقيادة الباحثة أيمي ويليامز من جامعة فلوريدا أكثر من عشرين مركباً عضوياً مختلفاً في صخور منطقة غلين توريدون ضمن فوهة غيل على سطح الكوكب الأحمر. نُشرت نتائج الدراسة في أبريل 2026 بمجلة Nature Communications، فيما أُجريت القياسات خلال عام 2020 باستخدام جهاز تحليل العينات (SAM instrument) الموجود في باطن المسبار.
تتجلى أهمية هذا الاكتشاف في أن هذه الجزيئات العضوية ربما تحفّظت في باطن المريخ منذ ما يزيد على 3.5 مليار سنة، محبوسةً في طبقات من المعادن الطينية التي تشكّلت في بيئات كانت تعجّ بالمياه في الحقبة الأولى من تاريخ الكوكب. قالت ويليامز: "نعتقد أننا نطّلع على مادة عضوية محفوظة على المريخ منذ 3.5 مليار سنة، والمواد ذاتها التي هطلت على الأرض من الفضاء عبر النيازك هي نفسها التي هطلت على المريخ".
من أبرز ما رصده الجهاز مركب البنزوثيوفين، وهو جزيء عضوي معقد يحتوي على حلقتين كيميائيتين متصلتين مع عنصر الكبريت. وإلى جانبه، حدّد الباحثون جزيئاً يحتوي على النيتروجين يتشابه في بنيته الكيميائية مع مكونات الحمض النووي (DNA)، وهو ما منح الاكتشاف أهمية استثنائية لدى المجتمع العلمي المعني بالبحث عن الحياة خارج الأرض.
اعتمدت الدراسة على مركب كيميائي يُعرف اختصاراً بـTMAH، يتيح لجهاز SAM تكسير الجزيئات العضوية الكبيرة وتحليل أجزائها عبر التحليل الطيفي بدقة بالغة. ويحمل المسبار كميةً محدودة من هذا المركب لا تتجاوز كوبين صغيرين، مما يجعل كل عملية تحليل ذات قيمة علمية كبيرة لا يمكن إعادتها بسهولة.
تكمن القيمة المضافة لهذه النتائج في طبيعة الطبقات الصخرية التي اخترقها المسبار؛ فالمعادن الطينية في منطقة غلين توريدون تتسم بقدرة فائقة على حفظ المركبات العضوية لملايين السنين، وتدلّ هيمنتها في هذه المنطقة على أن المريخ شهد تاريخاً مائياً غنياً في ماضيه السحيق.
تحرص الباحثة ويليامز على تأطير الاكتشاف بصورة رصينة، إذ تؤكد أن وجود الجزيئات العضوية لا يُثبت بالضرورة وجود حياة سابقة على المريخ. فقد تكون هذه المركبات نتيجة عمليات جيولوجية بحتة، أو قد تساقطت على الكوكب الأحمر من خلال النيازك والمذنبات. غير أنها تشكّل خطوة محورية نحو فهم أعمق لبيئة المريخ في حقبته المبكرة.
تمتد تداعيات هذه الدراسة إلى المهمات الفضائية المستقبلية. فمركبة روزاليند فرانكلين الأوروبية المتجهة إلى المريخ ستحمل أدوات مشابهة لاستخدام TMAH في تحليل باطن التربة على أعماق أكبر مما يستطيع كيوريوسيتي بلوغه. وفي السياق ذاته، ستُطبّق مهمة دراغون فلاي المتجهة إلى تيتان قمر زحل أساليب تحليل مماثلة، مما يجعل هذا الاكتشاف ركيزة أساسية لسلسلة متواصلة من الأبحاث في علم الكيمياء الكونية.
يقول الباحثون إن ما يمنح الاكتشاف قيمة علمية مضاعفة هو أن الحفظ الجيد للمركبات جرى في الطبقة السطحية الضحلة نسبياً التي تمكّن المسبار من اختراقها. ويرى الفريق أن مستقبل البحث عن الحياة خارج الأرض يرتكز بصورة حاسمة على جلب عينات مريخية فعلية إلى المختبرات الأرضية، إذ لا تستطيع الأجهزة المحمولة على المسبارات إجراء التحليلات الكيميائية المعمّقة التي تتيحها المختبرات على كوكبنا. وتمثّل هذه النتائج بذلك إضافة علمية نوعية إلى المعرفة المتراكمة حول الكيمياء العضوية المريخية، وتُرسّخ القناعة بأن المريخ كان بيئة أكثر ملاءمة للحياة مما كنا نتصور.
المزيد من علوم

إنجاز ألماني في توربينات الهيدروجين: 303 ثوانٍ بلا ضاغط ميكانيكي
سجّل معهد كارلسروه الألماني رقماً قياسياً بتشغيل توربين هيدروجيني بلا ضاغط لـ303 ثوانٍ معتمداً موجات الانفجار، مما يُبشّر بتوليد طاقة نظيفة أعلى كفاءة.

سبيس إكس تستعد لإطلاق ستارشيب في أولى رحلاته المدارية الكاملة نهاية أغسطس
تستهدف سبيس إكس إطلاق الرحلة 14 من ستارشيب قبل نهاية أغسطس 2026 حاملةً أقمار ستارلينك v3 لمدار تشغيلي، مع محاولة التقاط المرحلة العلوية لأول مرة في التاريخ.

تجربة كمومية تُثبت أن الفوتونات تقضي زمناً سالباً حقيقياً داخل السحاب الذري
أكد باحثون من جامعة غريفيث الأسترالية بقياسات ضعيفة دقيقة أن الفوتونات تُمضي زمناً سالباً قابلاً للقياس داخل سحاب ذري، مؤكدين أن هذه الظاهرة الكمومية حقيقية لا وهم رياضي.
الدماغ مُبرمج لاسترداد الوزن الزائد: لماذا تفشل الحميات على المدى البعيد؟
علماء يُبيّنون أن الدماغ البشري يعامل الوزن السابق كـ«نقطة صواب» ويحفّز الجسم لاسترداده عبر آليات بيولوجية متطورة، مما يُفسّر لماذا تفشل معظم الحميات على المدى البعيد.
الذكاء الاصطناعي يرصد انتشاراً مقلقاً للطحالب في محيطات العالم بمعدل 13% سنوياً
تحليل 1.2 مليون صورة فضائية بالذكاء الاصطناعي يكشف تمدداً غير مسبوق للطحالب الكبيرة في المحيطات منذ عقدين، مع تداعيات بيئية واقتصادية خطيرة على السواحل.
موجات عملاقة تسرق غلاف المريخ الجوي وتُلقيه في الفضاء
بيانات مسبارَي MAVEN وتيانوان-1 تكشف كيف تُولّد الرياح الشمسية موجات ضخمة تنتزع جزيئات الغلاف الجوي لكوكب المريخ، مما يُلقي ضوءاً على لغز تحوّله من كوكب ربما كان صالحاً للحياة.