كون مصغّر في أنبوب زجاجي يكشف كيف نشأت الحياة من الغبار الكوني
نجح علماء من جامعة سيدني في محاكاة ظروف الفضاء داخل أنابيب مختبرية لإنتاج غبار كوني يحتوي على جزيئات عضوية أساسية لنشأة الحياة، تطابقت بصماتها الطيفية مع الغبار الحقيقي في الفضاء.

في مختبر بجامعة سيدني الأسترالية، نجحت طالبة دكتوراه في إعادة خلق ظروف الفضاء الخارجي داخل أنابيب زجاجية صغيرة، لتُنتج غباراً كونياً اصطناعياً يحمل المادة الخام الأولى للحياة. وقد نُشرت نتائج هذا البحث الاستثنائي في دورية The Astrophysical Journal عام 2026، ليُقدّم إجابات جديدة لسؤال فلسفي وعلمي قديم: كيف نشأت الحياة في هذا الكون؟
أجرت لينا لوسوردو تجربتها بمزج النيتروجين وثاني أكسيد الكربون والأسيتيلين داخل أنابيب زجاجية تحت تفريغ للهواء لتحاكي فراغ الفضاء الكوني، ثم أمرّت عبر هذا الخليط تفريغاً كهربائياً بلغ عشرة آلاف فولت لتوليد بلازما مضيئة مشابهة للإشعاعات الكونية. أسفر ذلك عن إنتاج جسيمات غبارية دقيقة بالغة الصغر.
لكن الأمر المثير فعلاً لم يكن مجرد توليد غبار، بل ما احتواه هذا الغبار: جزيئات غنية بالكربون تنتمي إلى ما يُعرف بـ"جزيئات CHON" التي تشمل الكربون والهيدروجين والأكسجين والنيتروجين، وهي العناصر الأربعة الأساسية التي تُشكّل لبنة الحياة البيولوجية كما نعرفها. وحين قاس الفريق البصمات الطيفية لهذا الغبار باستخدام التحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء، تطابقت تطابقاً شبه كامل مع بصمات الغبار الكوني الحقيقي المُرصَد في الفضاء، مما يُؤكد أن التجربة أعادت إنتاج العملية الطبيعية بدقة لافتة.
تحمل هذه النتيجة دلالة عميقة لفهم نشأة الحياة: فإذا كانت الظروف الكيميائية اللازمة لإنتاج المركبات العضوية الأساسية تتشكّل بصورة طبيعية حول النجوم في السحب الجزيئية الفضائية، فهذا يعني أن "لبنات الحياة" قد تُنتَج بشكل روتيني في الكون ثم تنتقل إلى الكواكب عبر المذنبات والنيازك. وهو ما يُعزّز نظرية الـ"Panspermia" القائلة بأن المواد العضوية الفضائية ربما أسهمت في إطلاق شرارة الحياة على الأرض المبكرة.
تخطط الباحثة لوسوردو وأستاذها البروفيسور ديفيد ماكنزي لبناء قاعدة بيانات شاملة من البصمات الطيفية بالأشعة تحت الحمراء لأنواع مختلفة من الغبار الكوني الاصطناعي. ستُتيح هذه القاعدة لعلماء الفلك تحديد العمليات التكوينية التي تجري في مناطق تشكّل النجوم، وكذلك فهم التركيب الكيميائي للنيازك بدقة أعلى.
وقد فازت لوسوردو بجائزة أفضل عرض في الاجتماع السنوي لجمعية الكيمياء الكونية تقديراً لعملها. ولعلّ ما يُضفي على هذا البحث طابعاً شاعرياً هو أنه يُحاكي في أنابيب مختبرية صغيرة العمليات الكونية التي تجري على مدى ملايين السنوات عبر أضواء سنية ومسافات لا متناهية.
للعلماء العرب حضور متنامٍ في علوم الفضاء؛ وقد قدّم مسبار الأمل الإماراتي بيانات قيّمة عن الغلاف الجوي للمريخ وتفاعله مع الرياح الشمسية، وهي بيانات تُغني فهمنا لكيفية انتقال المواد الكيميائية عبر البيئات الكوكبية المختلفة. ويمكن لمركز محمد بن راشد للفضاء، الذي يُشغّل أقماراً للاستشعار عن بُعد ويعمل على مهمات مستقبلية، أن يُسهم في بناء قواعد البيانات الطيفية التي تخطط لها الباحثة لوسوردو وفريقها، في إطار شراكات بين مؤسسات أسترالية وعربية.
في نهاية المطاف، قد يكون الغبار الكوني الذي يطير في أعماق الكون هو الرسالة الأقدم التي حملت سر الحياة وأودعته كوكبنا. والعلم يواصل اليوم سعيه لقراءة هذه الرسالة حرفاً حرفاً.
المزيد من علوم
الدماغ مُبرمج لاسترداد الوزن الزائد: لماذا تفشل الحميات على المدى البعيد؟
علماء يُبيّنون أن الدماغ البشري يعامل الوزن السابق كـ«نقطة صواب» ويحفّز الجسم لاسترداده عبر آليات بيولوجية متطورة، مما يُفسّر لماذا تفشل معظم الحميات على المدى البعيد.
الذكاء الاصطناعي يرصد انتشاراً مقلقاً للطحالب في محيطات العالم بمعدل 13% سنوياً
تحليل 1.2 مليون صورة فضائية بالذكاء الاصطناعي يكشف تمدداً غير مسبوق للطحالب الكبيرة في المحيطات منذ عقدين، مع تداعيات بيئية واقتصادية خطيرة على السواحل.
موجات عملاقة تسرق غلاف المريخ الجوي وتُلقيه في الفضاء
بيانات مسبارَي MAVEN وتيانوان-1 تكشف كيف تُولّد الرياح الشمسية موجات ضخمة تنتزع جزيئات الغلاف الجوي لكوكب المريخ، مما يُلقي ضوءاً على لغز تحوّله من كوكب ربما كان صالحاً للحياة.
الزلازل القمرية قد تكشف عن مخزون مياه خفي تحت سطح القمر
باحثون يثبتون أن الموجات الزلزالية يمكنها الكشف عن طبقات الجليد القمري المختبئة في باطن القمر، مما قد يُيسّر إمداد رواد الفضاء بالمياه والوقود في مهمات الاستكشاف القادمة.

أول مُعجِّل كوني للبروتونات في درب التبانة بطاقة تتجاوز كوادريليون إلكترون فولت
أكّد فريق دولي بقيادة جامعة هيروشيما وجود مصدر كوني في مجرتنا يُصنَّف ضمن بيفاترونات البروتون، مُلقياً الضوء على أصول الأشعة الكونية الغامضة.

الرياضيات تُثبت: الانتخابات العادلة تماماً مستحيلة رياضياً مهما كان النظام
أثبت رياضيون من كامبريدج وكوبنهاغن مبرهنة استحالة مفادها أن لا نظام انتخابي يجمع التمثيل المحلي والتناسبية الوطنية وثبات حجم البرلمان في آنٍ واحد.