الثقوب السوداء تطرد قرابة نصف ما تبتلعه من مادة في نفاثات وعواصف غازية

رصد فلكيون بريطانيون ثقباً أسود يطرد كميات ضخمة من المادة عبر نفاثاته وعواصفه حتى بعد انتهاء نشاطه الأقصى، مُسقِطين نموذج "الحفرة العميقة اللانهاية" وكاشفين عن أثر الثقوب في إعادة تشكيل مجراتها.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢ أغسطس ٢٠٢٦
القراءات
٠
الوقت
قراءة دقيقتين
نظام ثنائي بالأشعة السينية يُظهر الثقب الأسود ونفاثاته وغيوم المادة المطروحة

حطّم فلكيون من جامعة وارويك البريطانية الصورة التقليدية للثقب الأسود بوصفه آلة ابتلاع كاملة الكفاءة، إذ رصدوا لأول مرة بتفصيل غير مسبوق أن ثقباً أسود في نظام ثنائي قريب يطرد كميات من المادة تُقارب ما يستهلكه، عبر نفاثات بلازما قطبية وعواصف غازية تمتد لفترات طويلة تتجاوز ذروة نشاطه الانفجاري.

وقاد الفريقَ الدكتور نويل كاسترو سيغورا في مراقبة الثقب الأسود المعروف بـ Swift J1727.8−1613، وهو نظام نجمي ثنائي بالأشعة السينية اشتعل فجأة في عام 2023 في انفجار هائل جعله لبعض الوقت من أشد مصادر الأشعة السينية لمعاناً في السماء. واستعان الباحثون بمرصد إسو الأوروبي للجنوب وتلسكوبه الكبير جداً لمتابعة مسار هذا الثقب عبر مراحل نشاطه المختلفة.

ويتشكّل هذا النوع من الأنظمة من ثقب أسود يسحب المادة من نجم مرافق، فتتراكم هذه المادة في قرص التراكم المحيط به، وتشتعل مُطلِقةً كميات هائلة من الطاقة على شكل أشعة سينية وأشعة غاما وإشعاعات أخرى. وكان المفهوم السائد يُصوّر هذه العملية باعتبارها نظاماً بالغ الكفاءة في تحويل المادة إلى طاقة.

غير أن المراقبة الدقيقة كشفت خلاف ذلك؛ فبعد أن هدأت الانفجارات وانخفض توهج الثقب إلى مئة مرة دون ذروته، واصل الثقب طرد كميات ملحوظة من المادة عبر نفاثات الثقوب السوداء القطبية وعبر عواصف من الرياح الغازية المندفعة للخارج. وخلص الفريق إلى أن هذه الكميات المطرودة قد تُشكّل نصف المادة المستهلكة أو أكثر.

وتحمل هذه النتيجة دلالات عميقة على فهمنا لدور الثقوب السوداء في الكون؛ فالكميات الهائلة من المادة والطاقة التي يُعيد الثقب الأسود بثّها في الفضاء لا تذهب هباءً، بل تُمارس تأثيراً على المادة بين النجوم في المنظومة المجرية بأسرها، إذ تسخّن الغاز وتُغيّر توزيعه، مما يُلقي بظلاله على معدل تشكّل النجوم الجديدة داخل المجرة.

ويشير هذا الاكتشاف أيضاً إلى أن الثقوب السوداء تعمل إلى حد ما كمنظومات هضمية كونية وليس كحفر لانهاية لها؛ فهي تبتلع المادة وتُعالجها وتُعيد قدراً كبيراً منها إلى محيطها الفلكي في صورة إشعاع ونفاثات ورياح. ويُوصف ذلك بأنه "تغذية راجعة" تُنظّم جزئياً نشاط المجرة وتمنع الإفراط في تراكم المادة في بعض مناطقها.

وقد وفّر استخدام التلسكوب الكبير جداً التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي تشريحاً دقيقاً لتطور هذا الانفجار على مدى أشهر، مما أتاح للفريق قياس معدلات تدفق المادة في الاتجاهين الداخلي والخارجي بدقة تقترب مما لم يتح لهم قياسه من قبل. ونُشر البحث في مجلة Monthly Notices of the Royal Astronomical Society.

وتتابع الأوساط العلمية العربية هذه النتائج باهتمام خاص، إذ يعمل مركز محمد بن راشد للفضاء في دبي على تطوير برامج فلكية متقدمة، فيما تستثمر جامعات في المملكة العربية السعودية والإمارات في تخصصات الفيزياء الفلكية. وإن كانت الثقوب السوداء تبدو بعيدة عن الواقع اليومي، فإن فهم آليات طرد المادة والطاقة يُغذّي النماذج الكونية الكبرى التي توجّه التخطيط للبعثات الاستكشافية العربية المستقبلية وتمنح العلماء الشباب في المنطقة أسئلة بحثية ذات عمق حقيقي.

ويفتح هذا البحث تساؤلات جوهرية حول كيفية احتساب كفاءة الثقوب السوداء في نماذجنا الكونية، وقد يستدعي مراجعة كيفية تضمين أثرها في نماذج المحاكاة الكبرى لتشكّل المجرات وتطورها.

المصدر الأصلي
ScienceDaily / Monthly Notices of the Royal Astronomical Society
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

تصوير لوجبة صحية مع مقياس ميزان وتمثيل لتحدي إدارة الوزن

الدماغ مُبرمج لاسترداد الوزن الزائد: لماذا تفشل الحميات على المدى البعيد؟

علماء يُبيّنون أن الدماغ البشري يعامل الوزن السابق كـ«نقطة صواب» ويحفّز الجسم لاسترداده عبر آليات بيولوجية متطورة، مما يُفسّر لماذا تفشل معظم الحميات على المدى البعيد.

ScienceDaily
أعشاب بحرية وطحالب عائمة في المحيط الأطلسي

الذكاء الاصطناعي يرصد انتشاراً مقلقاً للطحالب في محيطات العالم بمعدل 13% سنوياً

تحليل 1.2 مليون صورة فضائية بالذكاء الاصطناعي يكشف تمدداً غير مسبوق للطحالب الكبيرة في المحيطات منذ عقدين، مع تداعيات بيئية واقتصادية خطيرة على السواحل.

ScienceDaily
كوكب المريخ مع تصوير فني للرياح الشمسية تسرق غلافه الجوي

موجات عملاقة تسرق غلاف المريخ الجوي وتُلقيه في الفضاء

بيانات مسبارَي MAVEN وتيانوان-1 تكشف كيف تُولّد الرياح الشمسية موجات ضخمة تنتزع جزيئات الغلاف الجوي لكوكب المريخ، مما يُلقي ضوءاً على لغز تحوّله من كوكب ربما كان صالحاً للحياة.

ScienceDaily
قمر اصطناعي في المدار الثابت يمثل جيل أقمار الاتصالات التقليدية

هيوز للأقمار الاصطناعية تُعلن إفلاسها أمام المنافسة الشرسة من ستارلينك

شركة Hughes لخدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية التقليدية تتقدم بطلب إفلاس بعد فقدانها 22% من مشتركيها في عام واحد، في دلالة واضحة على تحوّل هيكلي في صناعة الاتصالات الفضائية.

SpaceNews
سطح القمر مع ظهور فوهات القطب الجنوبي في الظل الدائم

الزلازل القمرية قد تكشف عن مخزون مياه خفي تحت سطح القمر

باحثون يثبتون أن الموجات الزلزالية يمكنها الكشف عن طبقات الجليد القمري المختبئة في باطن القمر، مما قد يُيسّر إمداد رواد الفضاء بالمياه والوقود في مهمات الاستكشاف القادمة.

ScienceDaily
تقنية الاتصالات الليزرية بين الأقمار الاصطناعية

قوة الفضاء الأمريكية تمنح K2 Space 22.9 مليون دولار لاتصالات الليزر الفضائية

منحت قوة الفضاء الأمريكية شركة K2 Space عقداً لاختبار محطات ليزرية تُتيح نقل البيانات العسكرية مباشرةً بين الأقمار الاصطناعية دون محطات أرضية وسيطة.

SpaceNews
الثقوب السوداء تطرد قرابة نصف ما تبتلعه من مادة في نفاثات وعواصف غازية — ألمعي