الشمس أغنى بالفضة بـ55% مما كان يُقدَّر: نموذج جديد يحسم تناقضاً قديماً

فريق من جامعة أوبسالا السويدية يُراجع الوفرة الشمسية للفضة ويرفعها 55% بفضل نموذج متطور للغلاف الجوي يأخذ بالاعتبار التأثيرات الطيفية اللاتوازنية لأول مرة.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٦ يوليو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٧
الوقت
قراءة 3 دقائق
سطح الشمس والتوهجات الشمسية

أعلن باحثون من جامعة أوبسالا السويدية أن الشمس تحتوي على كميات من الفضة تفوق التقديرات السابقة بنسبة 55%، وذلك استناداً إلى نموذج أكثر دقة لمحاكاة الغلاف الجوي الشمسي. وتُساهم هذه النتيجة في حل تناقض ظل يُربك علماء الفلك والكيمياء الكونية لعقود، إذ كانت قراءات الوفرة الشمسية للفضة تبدو أقل بكثير مما توقعته الفيزياء ومن ما رصدته الدراسات على المواد الكونية الأولية.

تتألف الشمس في معظمها من الهيدروجين والهيليوم، فيما لا تمثل العناصر الأثقل — كالكربون والحديد والفضة — سوى نحو واحد ونصف بالمئة من كتلتها الإجمالية. وعلى الرغم من هذه النسبة الضئيلة، تحظى هذه العناصر باهتمام علمي بالغ، لأنها تحمل في طياتها سجلاً ثميناً لتاريخ الكون وتطوره الكيميائي عبر مليارات السنين. وتُعدّ الشمس واحدة من أهم المرجعيات الكونية في علم الفلك، إذ يُستخدم تركيبها الكيميائي معياراً لقياس وتفسير بيانات النجوم الأخرى والأجسام الكونية المختلفة.

تقول سيما جاليشكان، التي أجرت هذه الدراسة في إطار أبحاث الدكتوراه بقسم الفيزياء وعلم الفلك في جامعة أوبسالا: "المعرفة الجديدة بتركيب الشمس مهمة لفهم النجوم الأخرى والكواكب والمادة الكونية، لأن الشمس تشكّل إحدى نقاط المرجع الرئيسية في علم الفلك."

اعتمد الباحثون في قياس محتوى الشمس من الفضة على التحليل الطيفي للضوء الشمسي. وتعمل هذه التقنية من خلال رصد الخطوط المظلمة في طيف الضوء، الناجمة عن امتصاص ذرات العناصر في الغلاف الجوي الشمسي لأطوال موجية بعينها. وكل عنصر يترك بصمةً طيفية فريدة تشبه بصمة الإصبع، تمكّن العلماء من تعريف العنصر وتحديد كميته بدقة.

ولتحويل هذه البيانات الطيفية إلى نِسب كمية دقيقة، يحتاج العلماء إلى نماذج تحاكي الغلاف الجوي الشمسي بأمانة وتفصيل. وكانت التقديرات السابقة تستند إلى نماذج مبسّطة أغفلت تعقيدات ديناميكية وفيزيائية مهمة. أما فريق جامعة أوبسالا فقد طوّر نهجاً أكثر تعقيداً يجمع بين نموذج ديناميكي لطبقات الشمس الخارجية وحسابات محسّنة مستقاة من فيزياء الذرة الحديثة.

والميزة الجوهرية للنموذج الجديد أنه يأخذ في الحسبان ما يُعرف بالتأثيرات اللاتوازنية الإشعاعية، إذ يؤثر الضوء نفسه على ذرات الفضة المسؤولة عن توليد خطوط الامتصاص، وهو ما أغفلته الحسابات الأقدم بالكامل. وقد أدى هذا الإغفال إلى التقليل من التقدير الفعلي لكمية الفضة المشاركة في العملية، مما جعل التقديرات السابقة أدنى من الواقع بنسبة كبيرة.

وقد أسهم هذا التحسين المنهجي في حل إشكالية علمية مزمنة؛ فقد كانت القياسات السابقة تُشير إلى أن الشمس تحتوي على فضة أقل بكثير مما وجده العلماء في النيازك البدائية الكيميائية. وهذا الفارق كان مُحيّراً ومُقلقاً، إذ يُفترض أن الشمس وتلك النيازك تشكّلت في الوقت ذاته من سحابة واحدة من الغاز والغبار الكوني منذ نحو أربعة مليارات وستمئة مليون سنة، ومن ثمّ ينبغي أن يكون تركيبها الكيميائي متقارباً. وبالتقدير الجديد الذي يرفع قيمة الوفرة الشمسية للفضة بمقدار 55%، باتت هذه القيمة أكثر اتساقاً مع ما يُرصد في تلك النيازك القديمة.

ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على الفضة وحدها. فحين تستخدم النماذج الفلكية الشمسَ مرجعاً، يعني أي تصحيح في قراءتها انعكاسات على تفسير بيانات طيفية لآلاف النجوم المرصودة حول الكون. وتأمل الباحثة جاليشكان أن تُساعد الدراسات المقبلة، بتطبيق المنهجية ذاتها على نجوم من أنواع وأعمار مختلفة، في الإجابة عن سؤال جوهري يشغل الفيزيائيين الفلكيين: أين تتشكل الفضة في الكون، وكيف توزّعت عبر مجرة درب التبانة على مدار مليارات السنين؟ فالفضة، كغيرها من العناصر الأثقل من الحديد، تنشأ في أحداث كونية عنيفة كاندماج النجوم النيوترونية وانفجارات المستعرات، ورصد توزيعها الدقيق في النجوم يُقدّم أدلة ثمينة عن تاريخ هذه الأحداث العنيفة.

تحمل هذه الدراسة صدىً تاريخيًا في الوجدان العلمي العربي؛ فقد أرسى علماء الفلك العرب في العصور الوسطى، من ابن الهيثم إلى البتّاني، أركانًا راسخة في علم رصد النجوم وتحليل أطيافها. واليوم، تتطلع وكالة الفضاء الإماراتية ومرصد الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية في السعودية إلى رفع مستوى المشاركة العربية في الأبحاث الفلكية الدولية. وتُقدّم هذه الدراسة السويدية نموذجًا مُلهمًا يُثبت أن مراجعة البيانات الرصدية القائمة بأدوات حوسبة متقدمة تُفضي إلى اكتشافات نوعية، وهو نهج يمكن للمؤسسات البحثية العربية توظيفه انطلاقًا من مراكز الحوسبة الفائقة الناشئة في المنطقة.

أُجريت الحسابات الحاسوبية الضخمة التي اقتضتها هذه الدراسة على جهاز المحاكاة الفائق السويدي "تيترالايث"، مما يعكس الاعتماد المتزايد على القدرات الحاسوبية الهائلة في دراسة الأجسام الفلكية، والوصول إلى نتائج باتت متعذرة بالأساليب التقليدية. وتُقدّم هذه الدراسة مثالاً مُلهماً على كيف يمكن لتحسين منهجية الحساب — لا جمع ملاحظات جديدة — أن يُحدث نقلة نوعية في فهمنا لتركيب أقرب النجوم إلينا وأهمها مرجعيةً في علم الكون.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

زوجان في منتصف العمر يمارسان الركض الخفيف برفقة رمزية ساعة ولولب للحمض النووي

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر

أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.

MIT Technology Review
سمكة قرش سوداء الزعنفة تسبح في مياه ضحلة وصافية قبالة سواحل فلوريدا

دراسة ميدانية تكشف كيف تسمع أسماك القرش وتحدد مصدر الصوت من 74 متراً

أجرى باحثون أمريكيون أول دراسة ميدانية كمّية لسمع أسماك القرش الحرة في المحيط، وتبيّن أن أسماك القرش السوداء الزعنفة تكشف الأصوات منخفضة التردد من مسافة تصل إلى 74 متراً وتحدد اتجاهها بدقة.

ScienceDaily
تصور فني لذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية في حقل ليزر متضمّن

فيزيائيون في كالتك يرصدون سلّماً طاقياً كمومياً تنبأت به نظرية قبل 40 عاماً

تمكّن فيزيائيون في معهد كالتك من قياس أنماط طاقة كمومية تنبأت بها نظرية الحقل المطابق منذ أربعة عقود، باستخدام ذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية، في تأكيد تجريبي دقيق لنظرية رياضية طويلة الأمد.

ScienceDaily
رسم توضيحي لتراكم لويحات الكوليسترول داخل وعاء دموي متصلب

دراسة ضخمة: واحد من كل 13 شاباً يحمل تصلب شرايين صامتاً دون أن يعلم

كشفت دراسة REACT التي شملت أكثر من 16800 شخص سليم ظاهرياً أن تصلب الشرايين يبدأ في سن مبكرة أكثر من المتوقع، حيث يحمله واحد من كل 13 شاباً بين 18 و29 عاماً دون أي أعراض.

ScienceDaily
صاروخ لونغ مارش 6 إيه يقلع من موقع تايوان حاملاً أقمار ياوغان-40

الصين تطلق أقمار Guowang وYaogan-40 وتستعد لربع أخير حافل بالإطلاقات

أطلقت الصين دفعة جديدة من أقمار اتصالات Guowang وأقمار استطلاع Yaogan-40، في إطار سعيها لتجاوز 100 عملية إطلاق فضائي خلال عام 2026 للمرة الأولى في تاريخها.

SpaceNews
صورة بانورامية ملونة من المريخ احتفالاً ببلوغ المسبار كيوريوسيتي خمسة آلاف يوم مريخي

المسبار كيوريوسيتي يحتفل بخمسة آلاف يوم مريخي بصورة بانورامية مذهلة

بلغ مسبار ناسا كيوريوسيتي 5000 يوم مريخي على سطح المريخ، واحتفل بهذا الإنجاز بصورة بانورامية جمعت مشهدي الصباح والمساء من فوهة غيل، تُظهر سفوح جبل شارب المجاورة.

ScienceDaily