الكون يتمدد أسرع من الضوء دون خرق أينشتاين: فيزياء الفضاء المدهشة
علماء الفلك يُفسّرون كيف تبتعد مجرات بعيدة بسرعة تفوق سرعة الضوء دون خرق النسبية الخاصة لأينشتاين، لأن الفضاء ذاته هو الذي يتمدد وليست المجرات تتحرك خلاله.

ثمة حقيقة فلكية مذهلة قد تبدو للوهلة الأولى تناقضًا صارخًا مع إرث أينشتاين العلمي: مجرات كثيرة في أطراف الكون المرصود تبتعد عنا بسرعة تفوق سرعة الضوء، لكنها لا تُخالف النسبية الخاصة بتاتًا. كيف يكون ذلك؟ يُقدّم علماء الفلك اليوم شرحًا أكثر عمقًا لهذه الظاهرة التي تُلقي ضوءًا على طبيعة الكون الفيزيائية.
يقوم الفهم الصحيح على تمييز جوهري بين أمرَين: سرعة الأجسام وهي تتحرك خلال الفضاء، وسرعة التمدد الكوني للفضاء ذاته. تقول النسبية الخاصة إن لا شيء يُمكنه التحرك عبر الفضاء بسرعة تفوق الضوء. لكنها لا تقول شيئًا عن سرعة تمدد الفضاء نفسه. والتمدد الكوني ظاهرة مختلفة جذريًا: الفضاء بين المجرات يتمدد، ومع هذا التمدد تتباعد المجرات دون أن تتحرك فعليًا عبر الفضاء المحيط بها.
يُستعان بتشبيه بسيط لتوضيح المفهوم: تخيّل نقطتَين مرسومتَين على بالون يُنفَخ تدريجيًا. تتباعد النقطتان لا لأن إحداهما تتحرك، بل لأن السطح بينهما يتمدد. الكون يعمل بطريقة مماثلة في أبعاده الثلاثة.
يقيس علماء الفلك سرعة ابتعاد المجرات عبر ظاهرة الإزاحة نحو الأحمر، إذ ينزاح الضوء القادم من المجرة المبتعدة نحو الأطوال الموجية الأطول. وكلما ازداد هذا الانزياح، دلّ ذلك على سرعة ابتعاد أكبر للمجرة.
ثمة حد يُسمّى "مسافة هابل" عند نحو 13.77 مليار سنة ضوئية، تبلغ فيه سرعة انسحاب المجرات تحديدًا سرعة الضوء. غير أن ما هو أبعد من ذلك لا يُعني أننا لا نستطيع رؤيته. فنحن نرصد مجرات تجاوزت هذا الحد لأن ضوءها وصل إلينا في وقت كانت فيه أقرب، وظل يسافر ليُلحق بنا عبر المليارات من السنين الضوئية.
بيد أن لهذا المشهد أفقًا أقصى لا يمكن تجاوزه. يُقدّره الباحثون عند نحو 17 مليار سنة ضوئية وهو ما يُسمّى بأفق الحدث الكوني: أي ضوء يُنبعث من مصدر أبعد من هذه المسافة اليوم لن يصلنا قط، لأن الفضاء يتمدد بين المصدر وبيننا بسرعة أعلى مما يستطيع الضوء قطعه. وهذا الأفق ليس جدارًا ماديًا، بل حدّ هندسي ديناميكي في النسيج الكوني.
يتحكم في معدل هذا التمدد ثابت هابل، المعامل الذي يُعبّر عن كمية تمدد الكون لكل وحدة مسافة. وقد بات تحديد قيمته الدقيقة من أهم التحديات في علم الكون المعاصر، لأن القياسات المختلفة تُعطي أرقامًا متباينة في ما يُسمّى "توتر هابل".
والمحرّك الأساسي لتسارع هذا التمدد هو الطاقة المظلمة، تلك القوة الغامضة التي تُشكّل نحو 68 بالمئة من محتوى الكون الكلي. فبدلًا من أن تتباطأ سرعة التمدد بفعل الجاذبية كما توقّع الفيزيائيون تاريخيًا، تزداد هذه السرعة مع الوقت بسبب الطاقة المظلمة.
يمتلك العالم العربي إرثاً عريقاً في علم الفلك؛ فكثير من النجوم البارزة في خرائط السماء تحمل أسماء عربية كالدبران والعقرب والفرقد، وأرسى علماء كابن الهيثم والبيروني أسس البصريات والرصد الفلكي. واليوم تحمل الإمارات العربية المتحدة هذا الإرث إلى آفاق جديدة عبر مسبار الأمل ومشاريع مركز محمد بن راشد للفضاء، فيما تطوّر جامعات عربية كاوست أقسامًا ناشئة في الفيزياء الفلكية والكونيات، ساعيةً إلى المشاركة في فهم الكون الأشمل الذي تكشف عنه هذه الدراسات.
تُشير التوقعات إلى أن هذا التمدد المتسارع سيُفضي على مدى مئة مليار سنة إلى اختفاء معظم المجرات البعيدة عن أفق رؤيتنا تدريجيًا، حتى يُصبح الكون المرصود مقتصرًا على المجموعة المحلية من المجرات القريبة. سيرى مراقب مستقبلي بعيد كونًا يبدو فارغًا إلى حد بعيد، بلا أثر للمليارات من المجرات التي نُشاهدها اليوم.
المزيد من علوم
الدماغ مُبرمج لاسترداد الوزن الزائد: لماذا تفشل الحميات على المدى البعيد؟
علماء يُبيّنون أن الدماغ البشري يعامل الوزن السابق كـ«نقطة صواب» ويحفّز الجسم لاسترداده عبر آليات بيولوجية متطورة، مما يُفسّر لماذا تفشل معظم الحميات على المدى البعيد.
الذكاء الاصطناعي يرصد انتشاراً مقلقاً للطحالب في محيطات العالم بمعدل 13% سنوياً
تحليل 1.2 مليون صورة فضائية بالذكاء الاصطناعي يكشف تمدداً غير مسبوق للطحالب الكبيرة في المحيطات منذ عقدين، مع تداعيات بيئية واقتصادية خطيرة على السواحل.
موجات عملاقة تسرق غلاف المريخ الجوي وتُلقيه في الفضاء
بيانات مسبارَي MAVEN وتيانوان-1 تكشف كيف تُولّد الرياح الشمسية موجات ضخمة تنتزع جزيئات الغلاف الجوي لكوكب المريخ، مما يُلقي ضوءاً على لغز تحوّله من كوكب ربما كان صالحاً للحياة.

هيوز للأقمار الاصطناعية تُعلن إفلاسها أمام المنافسة الشرسة من ستارلينك
شركة Hughes لخدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية التقليدية تتقدم بطلب إفلاس بعد فقدانها 22% من مشتركيها في عام واحد، في دلالة واضحة على تحوّل هيكلي في صناعة الاتصالات الفضائية.
الزلازل القمرية قد تكشف عن مخزون مياه خفي تحت سطح القمر
باحثون يثبتون أن الموجات الزلزالية يمكنها الكشف عن طبقات الجليد القمري المختبئة في باطن القمر، مما قد يُيسّر إمداد رواد الفضاء بالمياه والوقود في مهمات الاستكشاف القادمة.

قوة الفضاء الأمريكية تمنح K2 Space 22.9 مليون دولار لاتصالات الليزر الفضائية
منحت قوة الفضاء الأمريكية شركة K2 Space عقداً لاختبار محطات ليزرية تُتيح نقل البيانات العسكرية مباشرةً بين الأقمار الاصطناعية دون محطات أرضية وسيطة.