الإعصار الضوئي: تقنية من بلورات سائلة تفتح آفاقاً جديدة للاتصالات الكمومية
نجح فريق دولي بقيادة جامعة وارسو في توليد حزم ضوئية دوارة بالغة الدقة داخل بلورات سائلة تتنظم ذاتياً، في خطوة نحو أجهزة فوتونية أبسط وأقل تكلفة للاتصالات الكمومية.

في مختبرات جامعة وارسو، نجح فريق دولي من الباحثين في توليد ظاهرة بصرية استثنائية: حزم ضوئية تتلوى وتدور كإعصار مصغر، مستعيناً بمادة البلورات السائلة في تقنية تُعدّ الأبسط من نوعها في هذا المجال. نُشر البحث في مجلة Science Advances في أبريل 2026، ويحمل تداعيات واعدة لمستقبل الاتصالات الكمومية وتقنيات الفوتونيات.
تكمن التقنية في بنى تُعرف بـ"التورونات" - وهي هياكل تتشكّل ذاتياً داخل البلورات السائلة على شكل لوالب مُحكمة البنية. يعمل هذا الترتيب الداخلي الدقيق كمصيدة للضوء: فحين يدخل شعاع ليزر إلى هذا الوسط البلوري داخل تجويف بصري ضيق، يخضع لما يُشبه مجالاً مغناطيسياً تخيلياً ناتجاً عن تفاوت خصائص انعكاس الضوء في الفضاء، مما يُجبر الضوء على الانحناء والتدوير بدلاً من السير في خط مستقيم.
ما يُنتجه هذا النظام هو ضوء ليزري متماسك يحمل خاصية فريدة: موجته تلتفّ حول محورها، وطوره يتغير بصورة حلزونية، وحتى استقطابه - أي اتجاه اهتزاز المجال الكهربائي - يدور مع الموجة. وهذا ما يُطلق عليه الباحثون "الزخم الزاوي المداري للضوء"، وهو بُعد إضافي لتنظيم الضوء يُوسّع نظرياً القدرة على تشفير المعلومات في شعاع ضوئي واحد.
السمة الأكثر إثارةً في هذا الاكتشاف هي البساطة. فبدلاً من الاعتماد على تقنيات النانو المعقدة ومكلفة التصنيع، يستثمر الفريق المواد ذاتية التنظيم التي تُشكّل بنيتها بصورة تلقائية. كما أن الضوء المُولَّد ينبثق في حالة الطاقة الأدنى، مما يعني أن النظام يختار تلقائياً هذه الحالة لأنها الأقل خسارةً للطاقة، مما يُبسّط عملية التوليد ويُحسّن الكفاءة.
في سياق الاتصالات الكمومية، تحمل هذه التقنية أهمية خاصة. فالشبكات الكمومية تتطلب توليد حالات ضوئية محكومة ومُعقّدة بدقة بالغة دون إهدار للطاقة. والأجهزة المستندة إلى البلورات السائلة وبنى التورون تُقدّم مساراً نحو مصادر ضوء فوتونية صغيرة وقابلة للتوسع، بعيداً عن التعقيد الهندسي لمنصات تقنيات النانو الحالية.
شارك في البحث باحثون من كلية الفيزياء بجامعة وارسو وجامعة التقنية العسكرية البولندية ومعهد باسكال CNRS في جامعة كليرمون أوفرن الفرنسية. وتُشير هذه الشراكة العابرة للحدود إلى أن الاهتمام بتقنيات الضوء الدوار لأغراض الاتصالات الكمومية يتصاعد في مراكز بحثية متعددة حول العالم.
تبقى الخطوات القادمة نحو التطبيق العملي طويلة؛ إذ يتطلب بناء شبكات اتصال كمومية قابلة للتشغيل دمجَ أجهزة متعددة والسيطرة على مصادر الخطأ بدقة فائقة. غير أن هذه التجربة تُثبت أن الطبيعة ذاتها - في تنظيم البلورات السائلة - تُخبّئ أدوات بصرية لم نستوعب كامل طاقتها بعد. وقد يُصبح "الإعصار الضوئي" الذي أُبدع في مختبر وارسو نموذجاً أولياً لمولّدات الضوء الكمومي في الجيل القادم من شبكات الاتصال الآمنة.
المزيد من الهندسة الإلكترونية

إنجاز ألماني في توربينات الهيدروجين: 303 ثوانٍ بلا ضاغط ميكانيكي
سجّل معهد كارلسروه الألماني رقماً قياسياً بتشغيل توربين هيدروجيني بلا ضاغط لـ303 ثوانٍ معتمداً موجات الانفجار، مما يُبشّر بتوليد طاقة نظيفة أعلى كفاءة.

تجربة كمومية تُثبت أن الفوتونات تقضي زمناً سالباً حقيقياً داخل السحاب الذري
أكد باحثون من جامعة غريفيث الأسترالية بقياسات ضعيفة دقيقة أن الفوتونات تُمضي زمناً سالباً قابلاً للقياس داخل سحاب ذري، مؤكدين أن هذه الظاهرة الكمومية حقيقية لا وهم رياضي.
الدماغ مُبرمج لاسترداد الوزن الزائد: لماذا تفشل الحميات على المدى البعيد؟
علماء يُبيّنون أن الدماغ البشري يعامل الوزن السابق كـ«نقطة صواب» ويحفّز الجسم لاسترداده عبر آليات بيولوجية متطورة، مما يُفسّر لماذا تفشل معظم الحميات على المدى البعيد.
الذكاء الاصطناعي يرصد انتشاراً مقلقاً للطحالب في محيطات العالم بمعدل 13% سنوياً
تحليل 1.2 مليون صورة فضائية بالذكاء الاصطناعي يكشف تمدداً غير مسبوق للطحالب الكبيرة في المحيطات منذ عقدين، مع تداعيات بيئية واقتصادية خطيرة على السواحل.
موجات عملاقة تسرق غلاف المريخ الجوي وتُلقيه في الفضاء
بيانات مسبارَي MAVEN وتيانوان-1 تكشف كيف تُولّد الرياح الشمسية موجات ضخمة تنتزع جزيئات الغلاف الجوي لكوكب المريخ، مما يُلقي ضوءاً على لغز تحوّله من كوكب ربما كان صالحاً للحياة.
الزلازل القمرية قد تكشف عن مخزون مياه خفي تحت سطح القمر
باحثون يثبتون أن الموجات الزلزالية يمكنها الكشف عن طبقات الجليد القمري المختبئة في باطن القمر، مما قد يُيسّر إمداد رواد الفضاء بالمياه والوقود في مهمات الاستكشاف القادمة.