الحمض النووي يُعيد رسم خريطة نشأة الإنسان: أصولنا من شعوب متعددة لا أصل واحد
دراسة جينومية تقود أستاذة من جامعة كاليفورنيا في ديفيس لتحليل 44 جينوماً جديداً تُثبت أن البشر الأوائل تطوروا من شبكة مجتمعات متشابكة تتبادل الجينات وليس من مجموعة سلفية واحدة.

طوال عقود، كان العلماء يتصوّرون أن البشر الحديثين نشأوا من مجموعة سلفية واحدة في إفريقيا انتشرت لاحقاً عبر القارات. غير أن تحليلاً جينومياً واسع النطاق نشرته مجلة Nature عام 2023، وعززته دراسات لاحقة عام 2024، يُعيد رسم هذه الصورة من الأساس، كاشفاً أن بشر العصر الحجري لم يكونوا شعباً واحداً، بل أقرب إلى شبكة من المجتمعات المتشابكة التي تبادلت الجينات عبر مئات الآلاف من السنين.
قادت الدراسة المحورية أستاذة الأنثروبولوجيا برينا هين من جامعة كاليفورنيا في ديفيس، وشمل فريقها تسلسل الحمض النووي لأربعة وأربعين جينوماً جديداً لأفراد من شعب الناما في جنوب إفريقيا، الذين يُعدّون من أكثر مجموعات البشر تنوعاً جينياً على وجه الأرض. قارن الباحثون هذه البيانات بسجلات الحفريات ونماذج تطورية متعددة لاختبار النظريات المتنافسة حول أصل الإنسان.
رصدت الدراسة أقدم انفصال يمكن رصده جينياً بين مجموعات بشرية في نطاق زمني يمتد بين مئة وعشرين وخمسة وثلاثين ألف عام مضت. والأهم من ذلك أنها وجدت أن مجموعتين أو أكثر من البشر الأوائل كانتا متمايزتين جزئياً، لكنهما ظلتا تتبادلان الجينات لمئات الآلاف من السنين قبل ذلك الانفصال. وحتى بعد أن بدأت المجموعات في الافتراق، استمرت في التواصل وتبادل المادة الوراثية بدلاً من الانعزال التام.
هذا النموذج الجديد يُفسّر بصورة أكثر إقناعاً تنوعَ الجينوم البشري الحديث دون الحاجة إلى الاستعانة بمساهمات من أنواع بشرية أرخية مجهولة. ويبدو أن جذور البشرية كانت منتشرة جغرافياً وجينياً على نطاق واسع، دون أن تنقسم بالضرورة إلى أشكال بشرية متباينة حدة، وفق ما خلصت إليه الدراسة.
ما يُميّز هذا الاكتشاف أنه يُعيد تأهيل إفريقيا بوصفها قارة تنوع وتعقيد وليس مجرد نقطة انطلاق. فبدلاً من صورة شجرة عائلية بسيطة لها جذر واحد وأفرع متصاعدة، يُقدّم هذا النموذج صورة أكثر واقعية: شبكة من المجتمعات المترابطة والمتفاعلة عبر مناطق جغرافية متباعدة، تتشكّل فيها الجينات وتُتبادل قبل أن تُنتج في النهاية الإنسان المعاصر.
يرى بعض العلماء أن هذه النتائج تستدعي إعادة النظر في كيفية تعليم تاريخ البشرية التطوري في المدارس والجامعات، إذ ظل النموذج الخطي لفترة طويلة سرداً مبسطاً لواقع أكثر ثراءً وتعقيداً. ويبقى المحرك الرئيسي لهذا الاكتشاف هو القدرة المتنامية على تسلسل الحمض النووي بدقة متزايدة وتكلفة متناقصة، مما يُتيح للعلماء استخراج معطيات وراثية من مجتمعات كانت حتى وقت قريب خارج نطاق الدراسة الجينومية.
الدرس الأعمق الذي تُقدّمه هذه الدراسة ليس مجرد تعديل تقني في نموذج التطور، بل هو تذكير بأن الإنسانية نشأت من التنوع والتعاون والتداخل لا من الانعزال. وهي مفارقة جميلة في عصر تتصاعد فيه الحدود بين الشعوب، أن يكشف علم الجينات أن أصلنا المشترك كان دائماً قائماً على التلاقح والانفتاح.
المزيد من علوم

تقلبات الفراغ الكمي تعزز قدرة التوصيل الفائق دون أي تلامس مباشر
أظهر باحثون صينيون أن تقلبات الفراغ الكمي داخل تجويف تيراهرتز رفعت درجة الحرارة الحرجة لمادة فائقة التوصيل بنسبة 5.4%، في أسلوب تحكم جديد غير تلامسي.

عينات تشانغ آه-6 القمرية تكشف كبسولة زمنية مغناطيسية نادرة
اكتشف علماء صينيون حديد غاما النادر محفوظاً في زجاج ارتطامي ضمن عينات القمر الصينية، في اكتشاف يفتح نافذة على تاريخ المجال المغناطيسي القمري القديم.

بوابة زلزالية في كاليفورنيا تسجل أعلى إجهاد صدعي منذ ألف عام
كشفت دراسة سويسرية أن الإجهاد عند ملتقى صدعي سان أندرياس وسان خاسينتو بلغ مستويات قياسية، في تحذير من احتمال تمزق مزدوج يهدد جنوب كاليفورنيا.

تلسكوب رومان الفضائي يفتح عينه الكورونوغرافية لصيد الكواكب الخارجية
أثبت تلسكوب نانسي غريس رومان التابع لناسا دقة توجيه استثنائية والتقط كورونوغرافه أولى صوره الكونية، تمهيداً لاكتشاف آلاف الكواكب الخارجية الجديدة.

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر
أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.

دراسة ميدانية تكشف كيف تسمع أسماك القرش وتحدد مصدر الصوت من 74 متراً
أجرى باحثون أمريكيون أول دراسة ميدانية كمّية لسمع أسماك القرش الحرة في المحيط، وتبيّن أن أسماك القرش السوداء الزعنفة تكشف الأصوات منخفضة التردد من مسافة تصل إلى 74 متراً وتحدد اتجاهها بدقة.