اكتشاف صدفي يكسر قواعد الشفرة الوراثية التي اتبعتها الحياة منذ مليارات السنين
رصد باحثون في معهد إيرلهام كائناً دقيقاً يُعيد توظيف كودوني الإيقاف بدلاً من الأحماض الأمينية، متحدياً القانون الوراثي الأعمق الذي ظلّ ثابتاً عبر كل أشكال الحياة المعروفة تقريباً.

لم يكن الدكتور جيمي ماكغوان يبحث عن ثورة علمية. كان يختبر ببساطة طريقة جديدة لتسلسل الحمض النووي في الخلايا المفردة على عينة من طحالب جُمعت من بركة مياه في حدائق جامعة أكسفورد. لكن الأداة الجديدة أسفرت عن اكتشاف غيّر ما نعرفه عن مرونة الشفرة الوراثية التي تحكم بناء الحياة.
قانون الحياة الذي لا يُكسر... حتى الآن
توجد في كل خلية حية ثلاثة كودونات تُسمى "كودونات الإيقاف" وهي TAA وTAG وTGA، مهمتها الإشارة إلى نهاية عملية بناء البروتين. تخيّل أنها علامات الوقوف في نص جيني طويل: حين يصل الجهاز الخلوي إليها يتوقف عن قراءة التعليمات ويُطلق البروتين المُصنَّع. هذا القانون شبه مطلق في كل الكائنات الحية التي درسناها تقريباً.
ما وجده الدكتور ماكغوان في الكائن PL0344 من فصيلة Oligohymenophorea كان خرقاً صريحاً لهذا القانون: كودون واحد فقط يعمل إيقافاً وهو TGA، أما كودونا الإيقاف TAA وTAG فيعملان شيئاً مختلفاً تماماً: يترجمان الأول إلى حمض أميني يُسمى ليسين، والثاني إلى حمض أميني يُسمى حمض الغلوتاميك.
ما الذي يجعل هذا الاكتشاف استثنائياً؟
كثيراً ما تُبدّل كائنات الهدبيات وغيرها من الأوليات كودون إيقاف واحداً لاستخدامه حمضاً أمينياً. لكن ما رصده الباحثون هنا يختلف جذرياً: فهذا الكائن يُبدّل كلا كودوني الإيقاف TAA وTAG في آنٍ واحد، ولكنه يُترجم كلاً منهما إلى حمض أميني مختلف. يقول الدكتور ماكغوان: "في كل الحالات الأخرى التي نعرفها، حين يتبدّل TAA وTAG معاً فإنهما يُترجمان دائماً إلى الحمض الأميني ذاته. هذا الكائن يكسر هذه القاعدة".
كيف جرى الاكتشاف؟
كان الاكتشاف نتاج مصادفة علمية بامتياز. كانت أداة تسلسل الحمض النووي الجديدة تُفحص كيفية تعامل الكائن الدقيق مع الشفرة الوراثية، فوجدت أن البروتينات المُصنَّعة كانت تتجاهل كودونات الإيقاف وتستمر في الترجمة وكأن كودون الإيقاف علامة وصل لا علامة توقف.
ما يترتب على ذلك علمياً
يُشير هذا الاكتشاف إلى أن الشفرة الوراثية أكثر مرونةً مما أثبتته عقود من الأبحاث. كنا نعتقد أن هناك قواعد أساسية تكاد تكون مطلقة في كل الأحياء لكن هذه المرونة ربما كانت موجودة دائماً في الكائنات الدقيقة دون أن نُلاحظها.
كشف البحث اللاحق أن كائنات هدبية أخرى تُظهر تنوعاً مشابهاً في استخدام الشفرة الوراثية، مما يُرجّح أن هذه المجموعة من الكائنات الدقيقة تمثّل منجماً حقيقياً لفهم حدود الشفرة الوراثية وإمكانيات تطوّرها.
تداعيات محتملة في الطب وعلم الأحياء الاصطناعي
قد تفتح هذه النتائج آفاقاً في مجال الأحياء الاصطناعية (synthetic biology)، حيث يسعى العلماء إلى تصميم كائنات ذات شفرات وراثية مُعدَّلة لأغراض طبية أو صناعية. فهم كيفية استيعاب الخلايا لهذه التعديلات دون أن تنهار البروتينات سيكون ذا قيمة كبيرة في تصميم أنظمة بيولوجية اصطناعية مستقبلاً.
نُشر البحث في مجلة دورية مُحكَّمة وأثار اهتماماً واسعاً في أوساط علماء الوراثة والبيولوجيا الجزيئية.
المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

إنزيم UBE2N المكتشف حديثاً قد يبطئ تقدم مرض الكبد الدهني الخطير
حدد باحثون أمريكيون إنزيماً يحمي خلايا الكبد من التلف عبر تنظيف الميتوكوندريا وتكسير الدهون، في اكتشاف يبشر بعلاج مستقبلي لالتهاب الكبد الدهني MASH.

تقلبات الفراغ الكمي تعزز قدرة التوصيل الفائق دون أي تلامس مباشر
أظهر باحثون صينيون أن تقلبات الفراغ الكمي داخل تجويف تيراهرتز رفعت درجة الحرارة الحرجة لمادة فائقة التوصيل بنسبة 5.4%، في أسلوب تحكم جديد غير تلامسي.

عينات تشانغ آه-6 القمرية تكشف كبسولة زمنية مغناطيسية نادرة
اكتشف علماء صينيون حديد غاما النادر محفوظاً في زجاج ارتطامي ضمن عينات القمر الصينية، في اكتشاف يفتح نافذة على تاريخ المجال المغناطيسي القمري القديم.

بوابة زلزالية في كاليفورنيا تسجل أعلى إجهاد صدعي منذ ألف عام
كشفت دراسة سويسرية أن الإجهاد عند ملتقى صدعي سان أندرياس وسان خاسينتو بلغ مستويات قياسية، في تحذير من احتمال تمزق مزدوج يهدد جنوب كاليفورنيا.

تلسكوب رومان الفضائي يفتح عينه الكورونوغرافية لصيد الكواكب الخارجية
أثبت تلسكوب نانسي غريس رومان التابع لناسا دقة توجيه استثنائية والتقط كورونوغرافه أولى صوره الكونية، تمهيداً لاكتشاف آلاف الكواكب الخارجية الجديدة.

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر
أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.