اكتشاف مثير في ميكانيكا الكم: الأنظمة الكمية قادرة على التذكر والنسيان في الوقت ذاته
رصد باحثون دوليون ظاهرة كمية دقيقة ومحيّرة: ذاكرة النظام الكمي تعتمد على زاوية الرصد والإطار التحليلي المستخدم، مما يفتح آفاقاً جديدة في تصميم الأجهزة الكمية وإدارة الضوضاء.
اكتشف فريق بحثي دولي بقيادة جامعة تورنتو الفنلندية ظاهرة كمية دقيقة ومحيّرة في آنٍ واحد: قدرة الأنظمة الكمية على الجمع بين التذكر والنسيان في الوقت ذاته، بحسب الإطار المرجعي المستخدم في التحليل. وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة PRX Quantum في أبريل 2026، وفق ما رصدته ScienceDaily في تقرير لافت.
يُعدّ مفهوم الذاكرة في الأنظمة الكمية من المفاهيم المحورية في ميكانيكا الكم التطبيقية. فالنظام الكمي لا يتطور في فراغ؛ بل يتفاعل باستمرار مع بيئته المحيطة، وهذا التفاعل يُولّد ما يُسمى بـ"الضوضاء الكمية"، وهي التشويش الذي يُؤثّر سلباً في أداء الحواسيب والأجهزة الكمية. وتعتمد فعالية هذه الأجهزة إلى حد بعيد على مدى قدرة النظام على "تذكر" تاريخ تفاعلاته مع البيئة، إذ إن وجود الذاكرة يعني أن الأخطاء تتراكم وتتشابك بطرق معقدة.
يقول فيديريكو ستيمو، المؤلف الأول للدراسة: "الذاكرة ليست مفهوماً أحادياً، بل يمكن أن تتجلى بطرق مختلفة تبعاً لأسلوب وصف تطور النظام." ويكشف البحث عن شيء عميق في بنية ميكانيكا الكم: إطاران للتحليل متكاملان ومتكافئان من الناحية الرياضية يُعطيان وصفاً مختلفاً لذاكرة النظام ذاته. الإطار الأول هو "صورة شرودنغر"، الذي يتتبع تطور حالة النظام الكمي عبر الزمن. الإطار الثاني هو "صورة هايزنبرغ"، الذي يُثبّت حالة النظام ويصف بدلاً من ذلك كيف تتطور الكميات القابلة للقياس. الإطاران يُنتجان نتائج تجريبية متطابقة عند القياس، غير أن البحث الجديد يكشف أنهما قد يُعطيان نتائج مختلفة فيما يخص خاصية الذاكرة.
يُشير البروفيسور يركي بيلو من جامعة تورنتو، المشرف على الدراسة، إلى الأهمية التطبيقية المباشرة للاكتشاف: "فهم الطريقة التي تتجلى بها الذاكرة في الأجهزة الكمية أمر ضروري لتطوير استراتيجيات تخفيف الضوضاء أو استثمار التأثيرات البيئية في الأجهزة الكمية الواقعية." بمعنى آخر، هذا الاكتشاف ليس مجرد غرابة نظرية، بل يُمكن أن يُلقي الضوء على تصميم خوارزميات تصحيح الأخطاء في الحواسيب الكمية التي تُعاني من تأثيرات الضوضاء الكمية كأحد أشد تحدياتها إلحاحاً.
من الناحية العملية، قد يُغيّر هذا الفهم الطريقة التي يُصمّم بها العلماء تجاربهم الكمية: بدلاً من اتخاذ منظور واحد افتراضياً معياراً للتحليل، سيُصبح اختيار الإطار المرجعي خطوةً مدروسةً ومُؤثِّرة في النتائج. تفتح الدراسة أيضاً ميداناً بحثياً جديداً يتعلق بدراسة مؤثرات الذاكرة الكمية المخفية: تلك المؤثرات التي لا تظهر في أحد الإطارين لكن يكشف عنها الإطار الآخر.
في عالم تتسارع فيه التطورات في مجال الحوسبة الكمية وتتنافس فيه الشركات والحكومات للظفر بالريادة، يُقدّم هذا الاكتشاف تذكيراً بأن أعمق اللحظات في الفيزياء غالباً ما تكمن في إعادة النظر في المفاهيم التي ظنّ الباحثون أنهم فهموها حق الفهم. الفهم الأعمق لطبيعة الذاكرة الكمية قد يُمثّل اللبنة الأساسية في بناء أجيال جديدة من الأجهزة الكمية الأكثر قدرةً على المقاومة والصمود في وجه التشويش البيئي الذي يُعدّ العائق الأكبر أمام انتشار هذه التقنية الثورية على نطاق واسع.
المزيد من علوم

إنجاز ألماني في توربينات الهيدروجين: 303 ثوانٍ بلا ضاغط ميكانيكي
سجّل معهد كارلسروه الألماني رقماً قياسياً بتشغيل توربين هيدروجيني بلا ضاغط لـ303 ثوانٍ معتمداً موجات الانفجار، مما يُبشّر بتوليد طاقة نظيفة أعلى كفاءة.

تجربة كمومية تُثبت أن الفوتونات تقضي زمناً سالباً حقيقياً داخل السحاب الذري
أكد باحثون من جامعة غريفيث الأسترالية بقياسات ضعيفة دقيقة أن الفوتونات تُمضي زمناً سالباً قابلاً للقياس داخل سحاب ذري، مؤكدين أن هذه الظاهرة الكمومية حقيقية لا وهم رياضي.
الدماغ مُبرمج لاسترداد الوزن الزائد: لماذا تفشل الحميات على المدى البعيد؟
علماء يُبيّنون أن الدماغ البشري يعامل الوزن السابق كـ«نقطة صواب» ويحفّز الجسم لاسترداده عبر آليات بيولوجية متطورة، مما يُفسّر لماذا تفشل معظم الحميات على المدى البعيد.
الذكاء الاصطناعي يرصد انتشاراً مقلقاً للطحالب في محيطات العالم بمعدل 13% سنوياً
تحليل 1.2 مليون صورة فضائية بالذكاء الاصطناعي يكشف تمدداً غير مسبوق للطحالب الكبيرة في المحيطات منذ عقدين، مع تداعيات بيئية واقتصادية خطيرة على السواحل.
موجات عملاقة تسرق غلاف المريخ الجوي وتُلقيه في الفضاء
بيانات مسبارَي MAVEN وتيانوان-1 تكشف كيف تُولّد الرياح الشمسية موجات ضخمة تنتزع جزيئات الغلاف الجوي لكوكب المريخ، مما يُلقي ضوءاً على لغز تحوّله من كوكب ربما كان صالحاً للحياة.
الزلازل القمرية قد تكشف عن مخزون مياه خفي تحت سطح القمر
باحثون يثبتون أن الموجات الزلزالية يمكنها الكشف عن طبقات الجليد القمري المختبئة في باطن القمر، مما قد يُيسّر إمداد رواد الفضاء بالمياه والوقود في مهمات الاستكشاف القادمة.