اختراق كمومي يكشف اقتراناً لم يُرصَد بين الضوء والمغناطيسية في المواد النانوية
علماء أمريكيون يرصدون تفاعلاً مباشراً بين الإكسيتونات والمغنونات في مواد مغناطيسية بالغة الرقة، مفتوحين الباب أمام جيل جديد من الأجهزة الكمومية والفوتونية.

في خطوة تُعيد رسم حدود ما يمكن بناؤه من الكم والضوء والمغناطيسية، أعلن علماء من كلية نيويورك للمدينة عن اختراق علمي رصدوا فيه تفاعلاً مباشراً وفريداً في مواد نانوية فائقة الرقة لم يُلاحَظ من قبل، مُنشَرة نتائجه في مجلة Nature Materials.
تتمحور الدراسة حول ما يُعرف بمواد "شبه موصل فان دير فالز" ذات البنية المغناطيسية الطبقية. هذه المواد يمكن تقشيرها إلى طبقات بسُمك ذرة واحدة فقط، مما يجعلها إحدى أدق بيئات الفيزياء التجريبية. ما اكتشفه الباحثون هو أن "الإكسيتونات" وهي جسيمات كمومية تتشكل حين يمتص إلكترون طاقة ضوئية، يمكنها الاقتران مباشرةً بـ"المغنونات" أي الموجات المغناطيسية المجهرية في هذه المواد.
ما يجعل هذا الاكتشاف استثنائياً أن الضوء والمغناطيسية كانا تاريخياً ظاهرتين منفصلتين في فيزياء المواد التقليدية. أما في هذه المواد النانوية الرقيقة، فإن الإكسيتونات تستطيع قراءة الحالة المغناطيسية للمادة والتأثير فيها في آنٍ واحد. وفي ظروف بعينها، يمكن للضوء أن يُغيّر الحالة المغناطيسية للمادة، وهو ما يفتح أبواباً تطبيقية واسعة.
من أبرز المواد التي درسها الفريق البحثي: كروميوم ثلاثي اليوديد، وكروميوم كبريتيد البروميد، وثنائي كبريتيد النيكل والفوسفور. جميعها أظهرت هذا الاقتران الخاص بين الضوء والمغناطيسية، مما يُلمح إلى أن الظاهرة ليست استثناءً بل قاعدة في هذه الفئة من المواد.
من الناحية التطبيقية، يرى الباحثون أن النتائج تفتح الباب أمام ثلاثة توجهات تقنية رئيسية. أولها "الذاكرة المغنطية الضوئية" التي يُكتب فيها البيت الواحد من المعلومات ويُقرأ بواسطة نبضات ضوئية سريعة بدلاً من الحقول المغناطيسية البطيئة المستخدمة اليوم. ثانيها "المحوّلات الكمومية" التي تُحوّل إشارات كمومية بين شبكات الفوتونات ودوائر الميكروويف دون فقدان المعلومات. وثالثها دوائر منطقية بصرية كاملة قادرة على معالجة البيانات بسرعة الضوء مع استهلاك طاقة ضئيل مقارنةً بالإلكترونيات التقليدية.
تُمثّل هذه النتائج كذلك إسهاماً في مجال "الإلكترونيات الدورانية" الذي يسعى إلى استثمار الدوران الذاتي للإلكترونات إضافةً إلى شحنتها في تخزين البيانات ومعالجتها. فإذا أمكن التحكم بالسبين عبر نبضات ضوئية عوضاً عن الحقول المغناطيسية، فسنكون أمام جيل جديد من الرقائق أسرع وأوفر طاقةً.
يتقاطع هذا الاكتشاف مع طموحات الحوسبة الكمومية المتنامية في المنطقة العربية؛ إذ تضخّ الإمارات والمملكة العربية السعودية استثمارات في الأبحاث الكمومية ضمن أجندات التحوّل التقني الوطنية. وتسعى مؤسسات كمركز محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في أبوظبي وشراكات أرامكو مع مراكز الأبحاث التطبيقية إلى تطوير قدرات في الحوسبة الكمومية، وهذا النوع من المواد الهجينة الضوئية-المغناطيسية قد يُرسي ركيزة للأجهزة الكمومية التالية التي ستُشكّل سوقاً تنافسية في غضون عقد.
دعمت البحث كلٌّ من وكالة DARPA الأمريكية ومؤسسة Gordon and Betty Moore، وهو ما يُشير إلى اهتمام استراتيجي وتجاري بالآفاق التطبيقية. وإن كانت التطبيقات التجارية لا تزال بعيدة، فإن الأسس العلمية التي تُقرّرها هذه الورقة البحثية ستُوجّه الأبحاث الهندسية لسنوات مقبلة نحو هذه الفئة الواعدة من المواد.
المزيد من علوم
الدماغ مُبرمج لاسترداد الوزن الزائد: لماذا تفشل الحميات على المدى البعيد؟
علماء يُبيّنون أن الدماغ البشري يعامل الوزن السابق كـ«نقطة صواب» ويحفّز الجسم لاسترداده عبر آليات بيولوجية متطورة، مما يُفسّر لماذا تفشل معظم الحميات على المدى البعيد.
الذكاء الاصطناعي يرصد انتشاراً مقلقاً للطحالب في محيطات العالم بمعدل 13% سنوياً
تحليل 1.2 مليون صورة فضائية بالذكاء الاصطناعي يكشف تمدداً غير مسبوق للطحالب الكبيرة في المحيطات منذ عقدين، مع تداعيات بيئية واقتصادية خطيرة على السواحل.
موجات عملاقة تسرق غلاف المريخ الجوي وتُلقيه في الفضاء
بيانات مسبارَي MAVEN وتيانوان-1 تكشف كيف تُولّد الرياح الشمسية موجات ضخمة تنتزع جزيئات الغلاف الجوي لكوكب المريخ، مما يُلقي ضوءاً على لغز تحوّله من كوكب ربما كان صالحاً للحياة.
الزلازل القمرية قد تكشف عن مخزون مياه خفي تحت سطح القمر
باحثون يثبتون أن الموجات الزلزالية يمكنها الكشف عن طبقات الجليد القمري المختبئة في باطن القمر، مما قد يُيسّر إمداد رواد الفضاء بالمياه والوقود في مهمات الاستكشاف القادمة.

أول مُعجِّل كوني للبروتونات في درب التبانة بطاقة تتجاوز كوادريليون إلكترون فولت
أكّد فريق دولي بقيادة جامعة هيروشيما وجود مصدر كوني في مجرتنا يُصنَّف ضمن بيفاترونات البروتون، مُلقياً الضوء على أصول الأشعة الكونية الغامضة.

الرياضيات تُثبت: الانتخابات العادلة تماماً مستحيلة رياضياً مهما كان النظام
أثبت رياضيون من كامبريدج وكوبنهاغن مبرهنة استحالة مفادها أن لا نظام انتخابي يجمع التمثيل المحلي والتناسبية الوطنية وثبات حجم البرلمان في آنٍ واحد.