حبوب وهمية تُحسّن الذاكرة والأداء الجسدي لدى المسنّين حتى حين يعلمون بها

كشفت دراسة إيطالية أن تناول الدواء الوهمي المكشوف لثلاثة أسابيع حسّن الوظيفة الإدراكية بنسبة تصل إلى 21.5% عند كبار السن، حتى حين أُخبروا صراحةً أن الحبوب لا تحتوي على مادة فعّالة.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٨ يونيو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
١
الوقت
قراءة دقيقتين
يد بقفاز أزرق تُمسك حبة دواء بيضاء

قد يبدو للوهلة الأولى أن الإخبار بأن الدواء مجرد حبة سكر كفيل بإبطال أي أثر علاجي محتمل، غير أن دراسة علمية حديثة صادرة عن جامعة Università Cattolica في ميلانو تدحض هذا الحدس وتُثبت أن الأمر أكثر تعقيداً وإثارةً مما نتصور.

نشر الباحثون نتائجهم في المجلة الدولية لعلم النفس الإكلينيكي والصحة، وتقوم الدراسة على تجربة عشوائية ضابطة أُجريت على 90 شخصاً من كبار السن الأصحاء، قُسّموا إلى ثلاث مجموعات: مجموعة ضابطة لا تتلقى أي علاج، ومجموعة تتلقى دواءً وهمياً مع الإيهام بأنه دواء حقيقي، ومجموعة ثالثة تتلقى نفس الدواء الوهمي لكنها تعلم صراحةً أنه مجرد دواء وهمي مكشوف.

دامت التجربة ثلاثة أسابيع، وجاءت نتائجها مذهلة: ارتفع الأداء البدني في مجموعتي الدواء الوهمي بنسبة 7 إلى 9.2 بالمئة، فيما تحسّنت الوظيفة الإدراكية في مجالات عدة بنسبة تراوحت بين 6.9 و21.5 بالمئة وفقاً للاختبار المُستخدم، ومن أبرز هذه المجالات الذاكرة قصيرة المدى والانتباه الانتقائي.

والمفارقة اللافتة أن المجموعة التي أُخبرت صراحةً بأن ما تتناوله مجرد دواء وهمي حققت نتائج مماثلة أو أفضل أحياناً من مجموعة الإيهام في بعض المقاييس، كما سجّلت هذه المجموعة أكبر تحسّن في مستويات التوتر وانخفاضاً ملحوظاً في الإجهاد والنعاس.

تُفسّر الباحثة المشرفة على الدراسة، ديليتا باربياني، هذه النتائج بأن المشاركين طوّروا عند تناول الحبوب ثقةً بقدراتهم الذاتية ووعياً متزايداً بأجسادهم، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ"الكفاءة الذاتية". ويدعم هذه الفرضية ما لاحظه المشاركون أنفسهم من انتباه مُعزَّز لأنماط نومهم وغذائهم وروتينهم اليومي خلال فترة التجربة.

تكشف هذه النتائج أن استجابة العقل والجسد لا تستوجب بالضرورة الخداع أو الوهم؛ إذ يبدو أن للطقوس والتوقعات والانتباه المُركَّز قدرةً حقيقية على التأثير في الأداء الجسدي والمعرفي بمعزل عن أي مادة كيميائية فعّالة.

لا تعني هذه النتائج الدعوةَ إلى استبدال الأدوية الفعّالة بحبوب سكر، بل تُفتح أمام الباحثين آفاقاً جديدة لفهم العلاقة بين التوقعات والصحة لدى المسنّين. ففي مرحلة الشيخوخة، كثيراً ما تكون الأدوية ذات الآثار الجانبية هي الخيار الوحيد المتاح لمعالجة التراجع الإدراكي الطبيعي، مما يجعل تقنيات تأثير الدواء الوهمي خياراً أخلاقياً يستحق المزيد من الاستكشاف.

تُشير الدراسة إلى أن مجرد إشراك المسنّ في بروتوكول علاجي، حتى لو كان وهمياً، يُولّد إحساساً بالرعاية والاهتمام يُفعّل آليات بيولوجية دفاعية حقيقية. وهذا التفسير يتسق مع أبحاث سابقة أثبتت أن التواصل الاجتماعي والشعور بالهدف يُؤثران مباشرةً في صحة الدماغ المسنّ.

يحمل هذا البحث دلالةً خاصة في السياق العربي حيث يتشابك الطب التقليدي بجذوره الراسخة مع الطب الحديث؛ فالمنطقة العربية تمتلك إرثاً تاريخياً عميقاً في التأمل في العلاقة بين العقل والجسد يعود إلى ابن سينا الذي فصّل في تأثيرات التوقع والإرادة على المرض قبل ألف عام. وتشهد دول كالإمارات والسعودية ارتفاعاً في أعداد المسنّين مع تحسن مستوى الرعاية الصحية وازدياد متوسط العمر، مما يُرجّح الاهتمام المتزايد بمداخل علاجية غير دوائية تصون استقلالية كبار السن وتُعزز قدراتهم المعرفية دون أعباء الآثار الجانبية.

ما يبقى واضحاً من هذه الدراسة هو أن العلاج ليس دائماً جزيئاً كيميائياً تتجرعه، بل قد يكون أحياناً رحلةً داخلية تبدأ بتغيير نظرتنا إلى قدراتنا وأجسادنا.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من صحة

تصوير لوجبة صحية مع مقياس ميزان وتمثيل لتحدي إدارة الوزن

الدماغ مُبرمج لاسترداد الوزن الزائد: لماذا تفشل الحميات على المدى البعيد؟

علماء يُبيّنون أن الدماغ البشري يعامل الوزن السابق كـ«نقطة صواب» ويحفّز الجسم لاسترداده عبر آليات بيولوجية متطورة، مما يُفسّر لماذا تفشل معظم الحميات على المدى البعيد.

ScienceDaily
أعشاب بحرية وطحالب عائمة في المحيط الأطلسي

الذكاء الاصطناعي يرصد انتشاراً مقلقاً للطحالب في محيطات العالم بمعدل 13% سنوياً

تحليل 1.2 مليون صورة فضائية بالذكاء الاصطناعي يكشف تمدداً غير مسبوق للطحالب الكبيرة في المحيطات منذ عقدين، مع تداعيات بيئية واقتصادية خطيرة على السواحل.

ScienceDaily
كوكب المريخ مع تصوير فني للرياح الشمسية تسرق غلافه الجوي

موجات عملاقة تسرق غلاف المريخ الجوي وتُلقيه في الفضاء

بيانات مسبارَي MAVEN وتيانوان-1 تكشف كيف تُولّد الرياح الشمسية موجات ضخمة تنتزع جزيئات الغلاف الجوي لكوكب المريخ، مما يُلقي ضوءاً على لغز تحوّله من كوكب ربما كان صالحاً للحياة.

ScienceDaily
سطح القمر مع ظهور فوهات القطب الجنوبي في الظل الدائم

الزلازل القمرية قد تكشف عن مخزون مياه خفي تحت سطح القمر

باحثون يثبتون أن الموجات الزلزالية يمكنها الكشف عن طبقات الجليد القمري المختبئة في باطن القمر، مما قد يُيسّر إمداد رواد الفضاء بالمياه والوقود في مهمات الاستكشاف القادمة.

ScienceDaily
تلسكوب فيرمي لأشعة غاما وجسيمات عالية الطاقة

أول مُعجِّل كوني للبروتونات في درب التبانة بطاقة تتجاوز كوادريليون إلكترون فولت

أكّد فريق دولي بقيادة جامعة هيروشيما وجود مصدر كوني في مجرتنا يُصنَّف ضمن بيفاترونات البروتون، مُلقياً الضوء على أصول الأشعة الكونية الغامضة.

Science Daily
مفهوم الأغلبية البرلمانية - صورة رمزية

الرياضيات تُثبت: الانتخابات العادلة تماماً مستحيلة رياضياً مهما كان النظام

أثبت رياضيون من كامبريدج وكوبنهاغن مبرهنة استحالة مفادها أن لا نظام انتخابي يجمع التمثيل المحلي والتناسبية الوطنية وثبات حجم البرلمان في آنٍ واحد.

Science Daily
حبوب وهمية تُحسّن الذاكرة والأداء الجسدي لدى المسنّين حتى حين يعلمون بها — ألمعي