الدماغ يتخذ قراراته أبكر مما ظنّ العلماء: دراسة تُعيد رسم خريطة صنع القرار العصبي
باحثون في جامعة إلينوي يكتشفون أن القشرة الحسية الجسمية الأولية تُشارك في صنع القرار مبكراً عبر حلقات ارتداد عصبي ثنائية الاتجاه، مما يُلهم تصميم ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للطاقة.

قلب باحثون في جامعة إلينوي أوربانا-شامبين مفهوماً راسخاً منذ عقود في علم الأعصاب: عوضاً عن الاعتقاد بأن الدماغ يصنع قراراته بعد رحلة معلومات صاعدة خطوةً خطوةً من المناطق الحسية إلى القشرة الجبهية، يكشف البحث الجديد أن المناطق الحسية الأولية نفسها تنخرط في صناعة القرار منذ مراحله الأولى عبر حلقات ارتداد ثنائية الاتجاه.
قاد البحث أستاذ الهندسة الكهربائية والحاسوبية يوري فلاسوف، ونُشر في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية المعروفة اختصاراً بـ PNAS. أظهرت التجارب نشاطاً مرتبطاً بالقرارات في القشرة الحسية الجسمية الأولية، وهي إحدى أوائل محطات معالجة المعلومات الحسية في الدماغ. كان يُعتقد تقليدياً أن هذه المنطقة تكتفي باستقبال الإشارات من الجلد والعضلات وإعادة إرسالها إلى الأعلى دون أي مشاركة في عمليات التفكير والقرار العليا.
تعتمد الآلية الجديدة على ما يُسميه الباحثون حلقات التغذية الراجعة العصبية المترابطة، حيث تتبادل مناطق مختلفة من الدماغ الإشارات في الاتجاهين، بدلاً من تسلسل خطي أحادي الاتجاه. فبينما ترفع القشرة الحسية الجسمية بياناتها الحسية إلى المناطق العليا في الفص الجبهي والجداري، تُعيد تلك المناطق إرسال إشارات توجيهية هابطة تُعدّل بها عمل المنطقة الحسية وفق السياق والأهداف السلوكية الآنية.
على صعيد التداعيات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، يُلاحظ فلاسوف أن الذكاء البيولوجي ينجز مهاماً بالغة التعقيد باستهلاك أقل بكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية، مُلمّحاً إلى أن اعتماد معمارية مُلهَمة من هذه الحلقات الارتدادية قد يُفضي إلى نماذج ذكاء اصطناعي أعلى كفاءةً وأقل استهلاكاً للطاقة في عصر تشكّل فيه الطاقةُ قيداً حقيقياً على نمو النماذج الكبرى.
يتردد هذا الاكتشاف بعيداً خارج حدود علم الأعصاب. ففي مجال تصميم الرقائق الإلكترونية، يسعى المهندسون إلى محاكاة المعالجة الدماغية بمعماريات عصبية متخصصة. وفي مجال الروبوتات، يُؤسّس البحث لتوقع بيئي أسرع يعتمد على التنبؤ من البيانات الحسية لا انتظار أوامر المعالجة المركزية. كما يدعم هذا البحث توجهاً متزايداً في الأوساط البحثية نحو معالجة اللغة الطبيعية بطرق أقرب إلى ديناميكية الدماغ الحقيقية.
تُولي المنطقة العربية اهتماماً متصاعداً بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في العلوم التقنية والصحية؛ إذ تضخّ المملكة العربية السعودية استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي عبر مبادرات رؤية 2030، فيما تسعى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) والجامعات الإماراتية إلى الريادة في علوم الأعصاب الحاسوبية. ويُرسي اكتشاف آلية حلقات الارتداد العصبي أساساً معرفياً يُمكن توظيفه في تصميم رقائق ذكاء اصطناعي أكثر كفاءةً في استهلاك الطاقة، وهو هدف تسعى إليه مبادرات تطوير الرقائق الناشئة في المنطقة، ومنها شركة علَت السعودية للتكنولوجيا التي تطمح لتصنيع الرقائق الدقيقة محلياً.
تُضيف هذه الدراسة صوتاً آخر إلى جوقة الباحثين الداعية إلى إعادة التفكير في معمارية الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من نماذج تعالج المعلومات تسلسلياً ثم تُصدر مخرجاتها في مرحلة واحدة، يقترح العلماء أنظمة ذات تغذية راجعة مستمرة تُراجع قراراتها في ضوء المعلومات الجديدة، مقتدية بالدماغ البشري الذي لا يتوقف عن التعلم والتكيّف حتى في أثناء أدائه لمهمة ما.
المزيد من ذكاء اصطناعي
الدماغ مُبرمج لاسترداد الوزن الزائد: لماذا تفشل الحميات على المدى البعيد؟
علماء يُبيّنون أن الدماغ البشري يعامل الوزن السابق كـ«نقطة صواب» ويحفّز الجسم لاسترداده عبر آليات بيولوجية متطورة، مما يُفسّر لماذا تفشل معظم الحميات على المدى البعيد.
الذكاء الاصطناعي يرصد انتشاراً مقلقاً للطحالب في محيطات العالم بمعدل 13% سنوياً
تحليل 1.2 مليون صورة فضائية بالذكاء الاصطناعي يكشف تمدداً غير مسبوق للطحالب الكبيرة في المحيطات منذ عقدين، مع تداعيات بيئية واقتصادية خطيرة على السواحل.
موجات عملاقة تسرق غلاف المريخ الجوي وتُلقيه في الفضاء
بيانات مسبارَي MAVEN وتيانوان-1 تكشف كيف تُولّد الرياح الشمسية موجات ضخمة تنتزع جزيئات الغلاف الجوي لكوكب المريخ، مما يُلقي ضوءاً على لغز تحوّله من كوكب ربما كان صالحاً للحياة.
الزلازل القمرية قد تكشف عن مخزون مياه خفي تحت سطح القمر
باحثون يثبتون أن الموجات الزلزالية يمكنها الكشف عن طبقات الجليد القمري المختبئة في باطن القمر، مما قد يُيسّر إمداد رواد الفضاء بالمياه والوقود في مهمات الاستكشاف القادمة.

«فالار أتومكس» تجمع مليار دولار للمفاعلات النووية الصغيرة بشراكة إنفيديا
شركة Valar Atomics لتطوير المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة تُغلق جولة تمويل بمليار دولار بتقييم ستة مليارات دولار، إثر نجاحها في تشغيل أنظمة إنفيديا بمفاعلها التجريبي.

لماذا يكذب الذكاء الاصطناعي ويحتال على البشر لبلوغ أهدافه؟
باحثون يكشفون عن ظاهرة «اختراق المكافأة»: حين تجد أنظمة الذكاء الاصطناعي طرقاً خاطئة لتحقيق أهدافها عوضاً عن حل المشكلة الحقيقية.