تقلبات الفراغ الكمي تعزز قدرة التوصيل الفائق دون أي تلامس مباشر
أظهر باحثون صينيون أن تقلبات الفراغ الكمي داخل تجويف تيراهرتز رفعت درجة الحرارة الحرجة لمادة فائقة التوصيل بنسبة 5.4%، في أسلوب تحكم جديد غير تلامسي.

تمكّن فريق بحثي من الأكاديمية الصينية للعلوم من تعزيز قدرة مادة فائقة التوصيل على حمل التيار الكهربائي دون أي مقاومة، وذلك باستغلال "تقلبات الفراغ الكمي" وحدها، دون الحاجة إلى تدخل مباشر كالتبريد الإضافي أو تطبيق مجالات خارجية، في نتيجة تفتح آفاقاً جديدة للتحكم في خصائص المواد الكمية من مسافة دون ملامسة مباشرة.
وأظهرت التجربة أن المادة المعروفة باسم ثنائي سيلينيد النيوبيوم (NbSe2)، وهي من المواد فائقة التوصيل المعروفة، شهدت تحسناً في "درجة الحرارة الحرجة" الخاصة بها بنسبة بلغت 5.4% عند تحضيرها على هيئة شرائح متناهية الرقة. ودرجة الحرارة الحرجة هي العتبة الحرارية التي تنتقل عندها المادة إلى حالة التوصيل الفائق، حيث تفقد مقاومتها الكهربائية بالكامل فجأة.
ويقوم مبدأ "الفراغ الكمي" على حقيقة فيزيائية مدهشة؛ فالفراغ، وفق قوانين ميكانيكا الكم، ليس خالياً تماماً كما يوحي اسمه، بل تنشأ فيه باستمرار جسيمات افتراضية تظهر وتختفي بصورة عشوائية فيما يُعرف بـ"تقلبات الفراغ الكمي". وتُعد هذه الظاهرة أساساً لتفسير عدد من الظواهر الفيزيائية الراسخة علمياً، مثل "انزياح لامب"، وهو فارق طفيف وغير متوقع في مستويات الطاقة داخل ذرة الهيدروجين، و"الانبعاث التلقائي"، الذي يصف انتقال الإلكترون بين مستويات الطاقة مصدراً فوتوناً دون أي محفز خارجي، إضافة إلى "تأثير كازيمير"، وهي قوة جذب فيزيائية تنشأ بين سطحين متقاربين جداً في الفراغ.
ولتحقيق هذا الإنجاز، وضع الباحثون المادة داخل تجويف خاص يُعرف بـ"التجويف المظلم" يعمل في نطاق موجات "تيراهرتز"، وهو تجويف مصمم هندسياً لتضخيم تقلبات المجال الكهرومغناطيسي داخله. وبمقارنة سلوك المادة داخل هذا التجويف وخارجه، لاحظ الفريق البحثي تحسناً قابلاً للقياس في خصائص التوصيل الفائق. والأهم من ذلك أن الباحثين أجروا تجارب ضبط دقيقة شملت تغيير هندسة التجويف وتردده وسماكة المادة وعوامل أخرى عديدة، لنفي أي تفسيرات تقليدية بديلة كالإجهاد الميكانيكي للمادة أو تدهور جودتها.
ويقترح الفريق العلمي تفسيراً نظرياً مفاده أن الحالة فائقة التوصيل تتبادل "فوتونات افتراضية"، وهي جسيمات وهمية قصيرة العمر تتوسط التفاعلات الكهرومغناطيسية بين الجسيمات المشحونة وفق نظرية "الديناميكا الكهربائية الكمية"، مع التجويف المحيط بها، مما يخفض طاقة الحالة فائقة التوصيل ويزيد من استقرارها. وتحدث هذه الظاهرة بشكل أقوى حين يتطابق التردد المميز للتجويف مع تقلبات الطاقة المنخفضة الخاصة بحالة التوصيل الفائق نفسها، فيما يُعرف بظاهرة الرنين.
وتكمن الأهمية العلمية لهذا الاكتشاف في كونه يمثل أسلوباً جديداً وغير تلامسي للتحكم في خصائص المواد الكمية، إذ لا يعتمد على ضخ طاقة خارجية مباشرة إلى المادة، بل على إعادة تشكيل البيئة الكمية المحيطة بها فحسب. وقد يمهد هذا النهج الطريق مستقبلاً أمام تقنيات جديدة لتحسين أداء المواد فائقة التوصيل دون التدخل الفيزيائي المباشر فيها، وهو ما قد يحمل تداعيات مهمة في مجالات تطبيقية متعددة، من الحوسبة الكمية إلى أنظمة نقل الطاقة الكهربائية عالية الكفاءة.
وتحمل هذه النتائج أهمية استراتيجية مباشرة للمنطقة العربية التي تضخ استثمارات متنامية في مجالي الطاقة المتجددة والحوسبة المتقدمة. فمشروع نيوم السعودي الطموح يسعى إلى بناء منظومة طاقة متكاملة تعتمد مصادر متجددة، حيث يمثل نقل الكهرباء بكفاءة فائقة دون فقدان في المقاومة غاية استراتيجية. كما تعكف جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) على أبحاث في المواد الكمية وتطبيقاتها المتقدمة، مما يجعل أسلوب التحكم اللاتلامسي في خصائص التوصيل الفائق مصدر اهتمام بحثي متنامٍ في المختبرات الإقليمية الساعية إلى اللحاق بالمراكز العلمية العالمية في هذا المجال.
ويرى علماء الفيزياء أن هذه النتيجة تضيف بعداً عملياً جديداً لظاهرة تقلبات الفراغ الكمي، التي ظلت لعقود تُعدّ من أكثر المفاهيم تجريداً في الفيزياء النظرية، لتنتقل الآن تدريجياً إلى حقل التطبيقات التكنولوجية الملموسة، في مثال آخر على كيفية تحول أفكار فيزياء الكم الأساسية إلى أدوات هندسية واعدة لمواد المستقبل.
المزيد من الهندسة الكهربائية

عبّارة فيسيف الكهربائية ذات الجنيح المائي تكاد تطير فوق الماء
تطور شركة فيسيف الناشئة عبّارة كهربائية بتقنية الجنيح المائي تقلل الاحتكاك وتوفر الطاقة، مستهدفة أسواق النقل الحضري والفنادق والقوارب الترفيهية.

عينات تشانغ آه-6 القمرية تكشف كبسولة زمنية مغناطيسية نادرة
اكتشف علماء صينيون حديد غاما النادر محفوظاً في زجاج ارتطامي ضمن عينات القمر الصينية، في اكتشاف يفتح نافذة على تاريخ المجال المغناطيسي القمري القديم.

بوابة زلزالية في كاليفورنيا تسجل أعلى إجهاد صدعي منذ ألف عام
كشفت دراسة سويسرية أن الإجهاد عند ملتقى صدعي سان أندرياس وسان خاسينتو بلغ مستويات قياسية، في تحذير من احتمال تمزق مزدوج يهدد جنوب كاليفورنيا.

تلسكوب رومان الفضائي يفتح عينه الكورونوغرافية لصيد الكواكب الخارجية
أثبت تلسكوب نانسي غريس رومان التابع لناسا دقة توجيه استثنائية والتقط كورونوغرافه أولى صوره الكونية، تمهيداً لاكتشاف آلاف الكواكب الخارجية الجديدة.

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر
أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.

دراسة ميدانية تكشف كيف تسمع أسماك القرش وتحدد مصدر الصوت من 74 متراً
أجرى باحثون أمريكيون أول دراسة ميدانية كمّية لسمع أسماك القرش الحرة في المحيط، وتبيّن أن أسماك القرش السوداء الزعنفة تكشف الأصوات منخفضة التردد من مسافة تصل إلى 74 متراً وتحدد اتجاهها بدقة.