مراكز البيانات المدارية تُهدد علم الفلك: مليون قمر اصطناعي قد يُعتّم السماء

تخطط سبيس إكس لإطلاق أول أقمار مراكز البيانات المدارية عام 2027، فيما يحذر علماء الفلك من أن إطلاق مليون قمر اصطناعي قد يجعل سطوع السماء مماثلاً لوهج القمر، مما يُشكّل تهديداً وجودياً لرصد الكون.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٤ يونيو ٢٠٢٦
المصدر
SpaceNews ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
مركبة مركز البيانات المداري التابعة لسبيس إكس

في خطوة تُقلق مجتمع الفلك العالمي، كشفت شركة سبيس إكس عن خططها لإطلاق أولى أقمار مراكز البيانات المدارية ضمن مشروع يُعرف بـ"AI1"، وذلك خلال عام 2027، في حين تقدمت إلى هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية بطلب للحصول على ترخيص يتيح لها نشر ما يصل إلى مليون قمر اصطناعي في المدار الأرضي المنخفض، وهو رقم يصفه العلماء بأنه كفيل بتغيير وجه السماء الليلية إلى الأبد.

القمر الاصطناعي AI1 وحده يمثّل قفزة هندسية غير مسبوقة؛ إذ يبلغ طوله سبعين متراً، ويرتفع عشرين متراً حين تُنشر مصفوفة الألواح الشمسية والمشتّتات الحرارية بالكامل، كما يولّد ما يصل إلى مئة وخمسين كيلوواطاً من الطاقة في ذروة التشغيل، مخصصاً منها مئة وعشرين كيلوواطاً لتشغيل حمولة الحوسبة. وتعتمد سبيس إكس في هذه المنظومة على وصلات الليزر بين الأقمار الاصطناعية للتواصل مع شبكة ستارلينك، مما يُبسّط الإنتاج مقارنةً بأقمار النطاق العريض. ويجري تصنيع هذه الأقمار في منشأة الشركة في مدينة باستروب بولاية تكساس.

غير أن هذا الطموح التقني يواجه رفضاً علمياً واسعاً. فقد أعرب توني تايسون، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة كاليفورنيا بمدينة ديفس والعالم الرئيسي في مرصد فيرا سي. روبين، عن قلق بالغ إزاء التداعيات الكارثية المحتملة لهذه المنظومة. وأوضح تايسون أن أقمار ستارلينك من الجيل الثاني الصغيرة الحالية تبلغ سطوعاً مرئياً من الدرجة الخامسة، في حين أن الحد الموصى به علمياً ألا يتجاوز الدرجة السابعة، محذراً من أن أقمار الجيل الثالث القادمة ستكون أشد سطوعاً. وفي سيناريو وصول المنظومة إلى مليون قمر اصطناعي، قال تايسون بوضوح: "سيكون سطوع السماء مماثلاً لوهج القمر في منتصف الشهر".

ولا تقتصر المخاوف على سبيس إكس وحدها؛ إذ أعلنت شركات متعددة عن خطط لنشر عشرات الآلاف من أقمار مراكز البيانات المدارية، وهو ما يعني أن التلوث الضوئي في المدار الأرضي المنخفض سيتراكم من مصادر متعددة ومتزامنة. وتنشئ معدلات الإطلاق المرتفعة ما يصفه العلماء بـ"المسارات المضيئة" المستمرة، وهي ظاهرة تعني أن التلسكوبات الأرضية ستجد نفسها في مواجهة دائمة مع آلاف النقاط المضيئة المتحركة في كل لحظة من لحظات الرصد الفلكي.

وتُشكّل هذه التطورات تهديداً حقيقياً لفرع بأكمله من علم الفلك يُعرف بالفلك الزمني-المجالي، وهو الفرع المعني برصد الأجرام السماوية المتغيرة عبر الزمن كالمستعرات الأعظمية وانفجارات أشعة غاما والكويكبات المقتربة من الأرض. فهذه الفعاليات الكونية العابرة تستلزم صور سماء نظيفة وخالية من التشويش، وهو ما سيغدو متعذراً مع آلاف النقاط الساطعة تعبر ميدان الرصد في كل لحظة. وقد أكد تايسون أن "التأثيرات الجسيمة على علم الفلك البصري ستبدأ منذ عام 2027".

في المقابل، لا تبدو سبيس إكس مُتعجّلة لمعالجة هذه الإشكالية بصورة جدية. فقد صرّح إيان دال، مدير تطوير الأعمال في الشركة، بلهجة هندسية بحتة قائلاً: "نحن ننظر إلى هذا الأمر بوصفه مشكلة هندسية تحتاج إلى حل". وأفاد تايسون بأنه لا يرى أي مؤشر يدل على "تغييرات تقنية أو سياساتية جدية" تعالج هذه الإشكاليات، وهو ما يُلقي بظلاله القاتمة على مستقبل المراصد الكبرى التي استثمرت فيها المؤسسات الدولية مليارات الدولارات على مدى عقود طويلة.

ويحمل هذا التهديد دلالةً خاصة للعالم العربي الذي أسهم في تأسيس علم الفلك الحديث وأغنى المعرفة الإنسانية بعلماء خالدين كالبتّاني وابن الهيثم والبيروني. فالصحارى العربية الكبرى كصحراء الربع الخالي وفضاءات المغرب تمثّل اليوم بعضاً من أنقى مواقع الرصد الفلكي في العالم، وقد بدأت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات في الاستثمار في بناء مراصد فلكية متطورة استغلالاً لهذه الميزة الجغرافية الفريدة. وقد يُضيع انتشار آلاف الأقمار الساطعة هذه الميزة إلى غير رجعة، مما يُلزم المؤسسات الفلكية العربية بالانضمام إلى الضغط الدولي المطالب بتنظيم صارم لكثافة الأقمار الاصطناعية.

ولعل أشد جوانب هذه القضية إثارةً للجدل هو الاختلال في موازين القوى بين الشركات التجارية الساعية إلى الربح من الفضاء وبين المجتمع العلمي الدولي. فالمدار الأرضي المنخفض بات يُعامَل بوصفه ساحة تجارية مفتوحة، في حين أن السماء الليلية النظيفة إرث إنساني مشترك أسهم في ولادة علم الفلك منذ فجر الحضارة، وأغنى الفلسفة والأدب والفن عبر آلاف السنين. وفي غياب ضغط دولي منسّق وإرادة سياسية حقيقية، يبدو أن نوافذ الرصد الفلكي الأرضي تتجه نحو الانغلاق التدريجي، تاركةً العلماء أمام خيار مرير: إما نقل مراصدهم إلى الفضاء بتكاليف باهظة، أو التخلي عن ضروب كاملة من الأبحاث الكونية التي لا تقدر بثمن.

المصدر الأصلي
SpaceNews
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من ذكاء اصطناعي

رسم تصويري لرقعة لعبة غو إلى جانب نمط متشابك من السلالم في اتجاهات مختلفة

لا تنخدعوا: النماذج اللغوية الكبيرة لا تفكر فعلاً كما تبدو

يرى باحث في الذكاء الاصطناعي أن النماذج اللغوية الكبيرة تنجح بفضل التنبؤ السريع بالأنماط لا الاستدلال المنهجي الحقيقي، مستشهداً بحركة ألفاغو الأسطورية رقم 37 كمثال على الاستدلال الفعلي الذي تفتقر إليه هذه النماذج.

MIT Technology Review
صاروخ لونغ مارش 6 إيه يقلع من موقع تايوان حاملاً أقمار ياوغان-40

الصين تطلق أقمار Guowang وYaogan-40 وتستعد لربع أخير حافل بالإطلاقات

أطلقت الصين دفعة جديدة من أقمار اتصالات Guowang وأقمار استطلاع Yaogan-40، في إطار سعيها لتجاوز 100 عملية إطلاق فضائي خلال عام 2026 للمرة الأولى في تاريخها.

SpaceNews
صورة بانورامية ملونة من المريخ احتفالاً ببلوغ المسبار كيوريوسيتي خمسة آلاف يوم مريخي

المسبار كيوريوسيتي يحتفل بخمسة آلاف يوم مريخي بصورة بانورامية مذهلة

بلغ مسبار ناسا كيوريوسيتي 5000 يوم مريخي على سطح المريخ، واحتفل بهذا الإنجاز بصورة بانورامية جمعت مشهدي الصباح والمساء من فوهة غيل، تُظهر سفوح جبل شارب المجاورة.

ScienceDaily
حاسوب ماك بوك إير مفتوح على مكتب يرمز إلى نظام ماك أو إس من آبل

آبل تشدد ضوابط الوصول الكامل للقرص في ماك مواجهةً لمخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي

أعلنت آبل تشديد صلاحية الوصول الكامل للقرص في نظام ماك أو إس، بعد تنامي المخاوف من وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على الوصول غير المقيّد إلى ملفات المستخدمين ورسائلهم وسجل تصفحهم.

TechCrunch
تصور للمعالج الضوئي العصبي المستخدم لكشف مقاطع فيديو التزييف العميق

معالج ضوئي يكتشف التزييف العميق في الفيديو بدقة تقارب 98%

باحثون في جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس يطورون معالجاً عصبياً ضوئياً يفحص عشرات مقاطع الفيديو في آنٍ واحد باستخدام الضوء بدلاً من الكهرباء، لكشف التزييف العميق بدقة واستهلاك طاقة منخفضين.

ScienceDaily
تصور فني لنجم مغناطيسي وحقله المغناطيسي القوي

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد

فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

ScienceDaily