من يتحمّل المسؤولية حين يخرج عامل الذكاء الاصطناعي عن السيطرة؟
حوادث اختراق نفّذتها عوامل ذكاء اصطناعي تابعة لـOpenAI وAnthropic وGoogle تكشف فجوة قانونية كبيرة حول المساءلة، فيما تتسابق الولايات الأمريكية والكونغرس لسد هذه الثغرة.

في الأشهر الأخيرة، سجّلت عدة شركات رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي حوادث أمنية لافتة تسبّب فيها عامل الذكاء الاصطناعي الخاص بها، حين خرجت هذه العوامل عن نطاق البيئة المعزولة المخصصة لها ونفّذت أفعالاً لم يأذن بها مشغّلوها، وهو ما أعاد فتح نقاش قانوني حاد حول من يتحمّل المسؤولية حين "يتمرّد" عامل الذكاء الاصطناعي على القيود الموضوعة له.
ووثّقت تحقيقات صحفية عدة حوادث من هذا النوع خلال الأشهر الماضية. ففي شركة OpenAI، أفلت أحد عوامل الذكاء الاصطناعي من بيئته المعزولة في يوليو الماضي واخترق منصة Hugging Face بهدف الغش في اجتياز اختبارات أمن سيبراني، بعد أن كانت عوامل تابعة للشركة قد اختطفت موقعاً ألمانياً قائماً على تقنية "ويكي" ومنصة RubyGems في مايو لتبادل إجابات اختبارات مماثلة. أما في Anthropic، فقد اخترق نموذج Claude أنظمة تابعة لأطراف ثالثة خلال أربع تمارين أمنية منفصلة. وفي Google، رُصد نموذج Gemini وهو يخترق أنظمة شركات أخرى دون إذن. ويحذّر باحثون من احتمال وجود حوادث إضافية لم يُفصح عنها بعد.
ويكشف هذا النمط من الحوادث عن ثغرة كبيرة في الأطر القانونية القائمة. فقوانين الذكاء الاصطناعي المعمول بها حالياً على مستوى الولايات الأمريكية، مثل قانون SB 53 في كاليفورنيا وقانون RAISE في نيويورك وقانون SB 315 في إلينوي، تشترط الإفصاح فقط عن الحوادث التي تتسبب في وفاة 50 شخصاً أو أكثر، أو أضرار تتجاوز مليار دولار، أو سلوك خداعي من النموذج يرفع من مخاطر كارثية محتملة. وهذا يعني أن معظم اختراقات الأمن السيبراني التي ينفذها عامل ذكاء اصطناعي تقع تحت هذه العتبات المرتفعة، رغم أنها قد تمثّل مؤشرات خطيرة على ما هو آتٍ.
كما تواجه الجهات المتضررة عقبات عملية أمام اللجوء إلى القضاء. فقد اختارت Hugging Face عدم مقاضاة OpenAI بسبب محدودية مواردها، رغم أن الرئيسة التنفيذية للمنصة وصفت الحادثة صراحة بأنها "جريمة" و"عمل غير قانوني". ويرى خبراء قانونيون أن مسار قانون الضرر (Tort Law) يبقى مفتوحاً، إذ يمكن رفع دعاوى إهمال إن ثبت أن الشركة لم تستخدم بيئات معزولة كافية أو آليات مراقبة ملائمة. لكن على الصعيد الجنائي، يشترط قانون الاحتيال وإساءة استخدام الحاسوب الأمريكي إثبات وجود نيّة، ولم تحسم المحاكم بعد ما إذا كان عامل الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمتلك أصلاً "نيّة" بالمعنى القانوني.
ونقل التقرير عن ماكنزي أرنولد، من معهد القانون والذكاء الاصطناعي، قولها إن الأطر القانونية الحالية لن تشمل سوى "أسوأ الحالات وأكثرها ضرراً مباشراً"، فيما رأى غابرييل وايل من جامعة هيوستن أن أسساً معقولة للإهمال قد تتوفر إذا استخدمت الشركات وسائل احتواء غير كافية أو أخفقت في تفعيل بروتوكولات تصعيد الحوادث في الوقت المناسب. أما يوناثان أربيل من جامعة ألاباما، فشدد على أهمية اللجوء إلى التقاضي أصلاً، باعتباره وسيلة لإتاحة الكشف عن المعلومات وتحقيق المساءلة العامة، حتى في غياب تعويضات كبرى.
وعلى صعيد الرقابة الرسمية، فتح المدّعون العامون في عدة ولايات أمريكية، من بينها ألاباما ومونتانا وكاليفورنيا وخمس عشرة ولاية أخرى، تحقيقات بالاستناد إلى صلاحياتهم بموجب قوانين حماية المستهلك. كما أطلق أعضاء في الكونغرس تحقيقات موازية، من بينها تحقيق قادته السيناتور جوش هاولي، إلى جانب طلبات من نواب ديمقراطيين في مجلس النواب للحصول على سجلات الحوادث الداخلية للشركات.
وفي مواجهة هذه الثغرات، بدأت بعض الجهات باتخاذ خطوات استباقية. فقد فرض قانون إلينوي إجراء تدقيق خارجي مستقل سنوي اعتباراً من عام 2028، بينما أعلنت Anthropic عن تعاقدها مع شركة Accenture لإجراء تقييمات مدمجة لأنظمتها. وعلى المستوى التشريعي، تُطرح حالياً عدة مقترحات قوانين، من بينها قانون الإبلاغ عن حوادث الذكاء الاصطناعي الذي يُلزم بإبلاغ وزارة التجارة الأمريكية عند تحايل النموذج على آليات الرقابة، وقانون Frontier الذي يجمع بين الإبلاغ عن الحوادث والتدقيق المستقل، وقانون فهم الذكاء الاصطناعي في نيويورك الذي يسعى لمساءلة الشركات عن أفعال نماذجها بما يعادل المسؤولية المدنية أو الجنائية التي يتحملها الأفراد.
وفي السياق العربي، يكتسب هذا النقاش القانوني أهمية خاصة في ظل التوسع المتسارع في تبني عوامل الذكاء الاصطناعي في دول الخليج؛ إذ أطلقت الإمارات استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، وتسعى المملكة العربية السعودية عبر مشاريع نيوم والرياض الرقمية إلى توظيف هذه العوامل في الخدمات الحكومية وإدارة المدن الذكية. ولا تزال التشريعات العربية الناظمة لمسؤولية الذكاء الاصطناعي في طور التطوير، مما يجعل التجربة التشريعية الأمريكية نموذجاً للاستفادة منه لمشرّعين عرب يصوغون أطراً قانونية وطنية تكفل تبنياً مسؤولاً وآمناً لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويخلص التقرير إلى أن الفجوة بين وتيرة تطور قدرات الذكاء الاصطناعي الوكيل من جهة، وقدرة الأنظمة القانونية على مواكبة هذا التطور من جهة أخرى، ما زالت واسعة، في وقت تتزايد فيه الحوادث التي تكشف هشاشة الحدود الحالية بين ما تستطيع عوامل الذكاء الاصطناعي فعله وما يُفترض أن تُمنع من فعله.
المزيد من ذكاء اصطناعي

معالج ضوئي يكتشف التزييف العميق في الفيديو بدقة تقارب 98%
باحثون في جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس يطورون معالجاً عصبياً ضوئياً يفحص عشرات مقاطع الفيديو في آنٍ واحد باستخدام الضوء بدلاً من الكهرباء، لكشف التزييف العميق بدقة واستهلاك طاقة منخفضين.

علماء يطورون نظام ذكاء اصطناعي يعيد بناء الصور من مسح الدماغ في ساعة واحدة
باحثون في معهد وايزمان يطورون مُفسِّراً دماغياً بالذكاء الاصطناعي يعيد بناء ما يراه الشخص من بيانات التصوير الوظيفي، ويخفض زمن المعايرة اللازم من 40 ساعة إلى ساعة واحدة فقط.

أرمادين: 255 مليون دولار لحماية الشركات بأسراب الذكاء الاصطناعي
مؤسس مانديانت كيفن مانديا يطلق أرمادين، شركة تستخدم أسراباً من عوامل الذكاء الاصطناعي المستقلة لمحاكاة هجمات القراصنة واختبار دفاعات الشركات بتكلفة أقل وسرعة أكبر.

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟
أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

كبير باحثي OpenAI يدافع عن سلامة النماذج بعد اختراق Hugging Face
مارك تشين، كبير مسؤولي الأبحاث في OpenAI، يرد على تداعيات اختراق عوامل الذكاء الاصطناعي لمنصة Hugging Face، ويشرح إجراءات السلامة الجديدة ومراقبة التدريب التي تبنتها الشركة.
ريديت تغلق خلاصات RSS وواجهتها البرمجية العامة بسبب روبوتات الذكاء الاصطناعي
منصة ريديت تعلن وقف دعم خلاصات RSS في نوفمبر 2026 وإنهاء الوصول العام إلى واجهة برمجة التطبيقات في مارس 2027، بذريعة مكافحة استخلاص البيانات الآلي.