من المختبر إلى الشبكة الكهربائية.. سباق تجاري لتوصيل طاقة الاندماج النووي
تستعد شركتا Commonwealth Fusion Systems وHelion لنقل طاقة الاندماج النووي من مرحلة الإثبات العلمي إلى محطات فعلية تغذي الشبكة الكهربائية، وسط تمويل يتجاوز مليارات الدولارات.

يستعد قادة شركتين رائدتين في مجال طاقة الاندماج النووي، هما Commonwealth Fusion Systems وHelion، لمناقشة التحدي الأكبر الذي يواجه هذا القطاع الناشئ خلال مؤتمر TechCrunch Disrupt المقرر انعقاده في سان فرانسيسكو بين الثالث عشر والخامس عشر من أكتوبر المقبل: كيفية الانتقال من إنجازات علمية مثبتة في المختبر إلى محطات طاقة قادرة على تزويد الشبكة الكهربائية بإمدادات موثوقة ومستمرة.
وتنتهج Commonwealth Fusion Systems استراتيجية من مرحلتين، تبدأ بجهاز "سبارك"، وهو تجربة إثبات علمي مصممة لتوليد بلازما تنتج طاقة أكبر من الطاقة اللازمة لتسخينها، ثم تنتقل إلى "آرك"، وهو التصميم المستهدف لمحطة تجارية فعلية مولدة للكهرباء. ويقود براندون سوربوم، الشريك المؤسس وكبير العلماء في الشركة، جهود البحث والتطوير فيها، جامعاً بين خبرة أكاديمية عميقة وخبرة تصميم محطات طاقة تجارية. وفي أبريل الماضي، أصبحت الشركة أول شركة اندماج نووي تتقدم بطلب انضمام إلى PJM Interconnection، وهي إحدى أكبر أسواق الكهرباء في الولايات المتحدة، وهي خطوة تُعد مؤشراً على جدية توجهها نحو الربط الفعلي بالشبكة. وفي يوليو الماضي، جمعت الشركة مليار دولار في جولة تمويل واحدة، ليصل إجمالي ما جمعته حتى الآن إلى أربعة مليارات دولار.
أما Helion فتسلك مساراً تقنياً مختلفاً يعتمد على الحصر المغناطيسي بطريقة تُعرف بالتشكيل المعكوس المجال، بدلاً من تصميم التوكاماك التقليدي الحلقي الذي يعتمد عليه كثير من المنافسين بمن فيهم Commonwealth Fusion. وتعمل الشركة حالياً على تطوير محطة تحمل اسم "أوريون" بقدرة خمسين ميغاواط، وتستهدف بدء تزويد شركة مايكروسوفت بالكهرباء منها بحلول عام 2028 بموجب اتفاقية توريد موقعة مسبقاً. وفي فبراير الماضي، نجح نموذج الشركة التجريبي "بولاريس" في تسخين البلازما إلى نحو مئة وخمسين مليون درجة مئوية، وهي درجة حرارة تفوق حرارة قلب الشمس بأضعاف. وفي يونيو، حصلت الشركة على موافقة تنظيمية مهمة تخص بناء وتشغيل المحطة، فيما أغلقت مؤخراً جولة تمويل من الفئة السابعة بقيمة خمسمئة مليون دولار في سبتمبر الجاري.
ويكمن جوهر النقاش الذي يستضيفه المؤتمر في نقطة واحدة تتشارك فيها الشركتان رغم اختلاف نهجيهما التقنيين: فالإنجازات العلمية المتلاحقة، من تحقيق درجات حرارة قياسية للبلازما إلى تسجيل نسب طاقة متزايدة، لا تعني تلقائياً القدرة على تشغيل محطة طاقة تجارية موثوقة قادرة على تسليم كهرباء مستمرة وبأسعار تنافسية لعملاء حقيقيين على مدار الساعة. فالانتقال من تجربة تعمل لثوانٍ أو دقائق في ظروف مخبرية محكومة إلى منشأة تعمل باستمرارية صناعية يتطلب حل تحديات هندسية إضافية تتعلق بالمتانة، والصيانة، والتكلفة التشغيلية طويلة المدى، وهي عوامل غالباً ما تُختبر بشكل غير كافٍ في مراحل البحث الأولى.
وتُظهر أحجام التمويل التي جمعتها الشركتان، والتي تتجاوز مجتمعتين أربعة مليارات ونصف المليار دولار، مدى الثقة المتنامية لدى المستثمرين في أن طاقة الاندماج النووي باتت أقرب من أي وقت مضى إلى التطبيق التجاري الفعلي، بعد عقود طويلة كانت فيها هذه التقنية توصف غالباً بأنها "على بعد ثلاثين عاماً دائماً" من التحقق. ويعكس دخول عملاء صناعيين كبار مثل مايكروسوفت في اتفاقيات توريد مباشرة مع شركات ناشئة في هذا المجال تحولاً ملموساً في نظرة القطاع الخاص لجدوى هذه التقنية على المدى القريب نسبياً.
وتُعدّ دول الخليج في مقدمة الجهات المعنية برصد هذه التطورات، إذ تسعى كلٌّ من السعودية والإمارات إلى تنويع مصادر الطاقة ضمن خططهما الاستراتيجية رؤية 2030 ورؤية 2050 على التوالي. وفي حال نضجت تقنية الاندماج النووي تجارياً خلال العقدين القادمين، فقد تجد دول المنطقة نفسها أمام فرصة الانتقال المباشر من توليد الكهرباء بالوقود الأحفوري إلى مصادر أنظف وشبه لامحدودة، فيما يرصد صندوق الاستثمارات العامة السعودي والصناديق الخليجية الكبرى الفرص الاستثمارية في شركات الاندماج النووي الناشئة كـCommonwealth Fusion وHelion.
وإذا نجحت إحدى الشركتين أو كلتاهما في الوفاء بجداولها الزمنية المعلنة، فإن ذلك سيمثل نقطة تحول تاريخية في قطاع الطاقة العالمي، بوصفه مصدراً شبه نظيف وشبه لامحدود للكهرباء، في وقت يتصاعد فيه الطلب العالمي على الطاقة بشكل كبير مدفوعاً جزئياً بالتوسع الهائل في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي كثيفة الاستهلاك للكهرباء، وهو ما يجعل أي مصدر طاقة جديد قابل للتوسع السريع موضع اهتمام استراتيجي متزايد لدى الحكومات وشركات التكنولوجيا الكبرى على حد سواء.
المزيد من علوم

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد
فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة
باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟
أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

بيرسيفيرانس يكشف تاريخاً مائياً معقداً داخل فوهة جيزيرو المريخية
كشفت مركبة بيرسيفيرانس عن ثلاث مراحل متعاقبة من تفاعل الماء مع صخور فوهة جيزيرو على المريخ، من مياه جوفية إلى موائع حرارية ساخنة، في مؤشر على تاريخ مناخي معقد وبيئة قديمة قد تكون صالحة للحياة الميكروبية.

موجات الحر البحرية تُخفي شهوراً إضافية من الاحترار لا ترصدها القياسات التقليدية
دراسة أمريكية جديدة تكشف أن قياسات موجات الحر البحرية التقليدية تقلل التعرض الحراري الفعلي للكائنات البحرية بأكثر من 150%، إذ تتجاهل فترات احترار ممتدة تسبق الموجة وتليها.

علماء يابانيون يحلّون لغزاً كمومياً عمره 25 عاماً في قياس حالة W المتشابكة
فريق من جامعتي كيوتو وهيروشيما يطور طريقة جديدة لرصد حالة W الكمومية متعددة الفوتونات دفعة واحدة، في إنجاز قد يسرّع تطور الإرسال الكمي والحوسبة الكمومية.