محرك حراري كمي فائق التوصيل: خطوة نحو تقليص تكاليف الحاسوب الكمي

بنى علماء جامعة آلتو الفنلندية أول محرك حراري كمي فائق التوصيل في العالم، ينتج شغلًا مفيدًا عند الصفر المطلق تقريبًا، في إنجاز قد يُغيّر مستقبل الحاسوب الكمي ويُقلّص تكاليفه بشكل جذري.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٥ أغسطس ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٢
الوقت
قراءة 4 دقائق
محرك حراري كمي فائق التوصيل

أعلن علماء من جامعة آلتو الفنلندية عن إنجاز علمي استثنائي يُعدّ الأول من نوعه في تاريخ العلم، إذ نجحوا في تصميم وبناء محرك حراري كمي فائق التوصيل يعمل في درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق، وينتج شغلًا مفيدًا من حرارة شديدة الانخفاض. نُشرت نتائج هذا البحث في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" المرموقة، وتُمثّل قفزةً نوعية تربط بين ميكانيكا الكم وعلم الديناميكا الحرارية، مُثبتةً أن مبادئ المحركات الحرارية الكلاسيكية قابلة للتطبيق الفعلي في عالم الجسيمات الكمية.

يتألف الجهاز من ثلاثة مكونات أساسية تعمل بتوافق دقيق: كيوبت من نوع ترانسمون يُشكّل قلب المحرك النابض، ورنّان كمي يعمل وسيطًا لتبادل الطاقة بين أجزاء المنظومة، ومبرّد كمي متعدد الوظائف يتولى ضبط التدفقات الحرارية داخل الدائرة. تعمل هذه المنظومة في بيئة بالغة البرودة لا تتعدى بضعة ميلي-كلفن فوق الصفر المطلق، وهي درجات حرارة أشدّ برودةً من الفضاء الخارجي بمئات المرات. وعلى الرغم من هذه الظروف القصوى، استطاع الفريق إثبات أن المحرك يُنتج شغلًا موجبًا صافيًا، وهو ما لم يكن في متناول التقنية الحالية حتى وقت قريب.

يستلهم المحرك الجديد تصميمه من دورة أوتو الحرارية الكلاسيكية، وهي الدورة ذاتها التي تُشغّل محركات الاحتراق الداخلي في السيارات منذ أكثر من قرن. غير أن التنفيذ هنا يجري في عالم مختلف كليًا؛ فبدلًا من الغاز والمكابس الميكانيكية، تُدار الدورة داخل دائرة إلكترونية فائقة التوصيل لا تتجاوز أبعادها الميليمترات، حيث تسود قوانين ميكانيكا الكم وتُحكم قبضتها على سلوك الجسيمات. ومن أبرز ما يُميّز هذا التصميم أن مبرّدًا كميًا واحدًا يكفي للقيام بعمليتَي التسخين والتبريد معًا، مما يُبسّط البنية الهندسية للجهاز ويُهيّئه للدمج في أنظمة أكبر وأكثر تعقيدًا.

تتجاوز أهمية هذا الاكتشاف الإثراءَ النظري لتطرح إجابات عملية لأبرز التحديات التي تواجه صناعة الحاسوب الكمي. فالحواسيب الكمية الكبيرة الحجم التي تُطورها شركات التقنية والحكومات تستلزم ملايين الكابلات الميكروويفية للتحكم في كيوبتاتها وقراءة حالاتها؛ ويبلغ سعر كل كابل من هذه الكابلات نحو ألف يورو. بيد أن المشكلة لا تقتصر على التكلفة المالية الباهظة وحدها؛ فهذه الكابلات تُولّد ضوضاء إلكترونية مستمرة تُخلّ بدقة الكيوبتات وتُقصّر أوقات الترابط الكمي، وهما عاملان حاسمان في قدرة الحاسوب الكمي على إنجاز عملياته بكفاءة عالية.

تستهدف استراتيجية فنلندا الوطنية للتكنولوجيا الكمية الوصول إلى ألف كيوبت منطقي بحلول عام 2035. ولأن كل كيوبت منطقي يتطلب آلاف الكيوبتات الفيزيائية لتصحيح الأخطاء الكمية وضمان دقة النتائج، فإن تحقيق هذا الهدف يستوجب تشغيل مئات الآلاف من الكيوبتات في آنٍ واحد، وهو ما يُضاعف حجم التحدي اللوجستي والمالي. وهنا يبرز الدور المحوري للمحرك الحراري الكمي المستقل؛ إذ يستطيع قراءة حالات الكيوبتات ذاتيًا دون الحاجة إلى بثّ نبضات ميكروويفية من خارج الجهاز، مما يُتيح الاستغناء عن كميات كبيرة من الكابلات وتقليص الضوضاء المصاحبة لها تقليصًا جوهريًا.

أُجريت التجربة في منشأة أوتانانو، البنية التحتية الوطنية الفنلندية المتخصصة في الأبحاث الكمية، التي تُعدّ من أكثر المنشآت تجهيزًا في أوروبا لإجراء التجارب الكمية الدقيقة. توفر هذه المنشأة بيئةً معملية مُحكَمة العزل عن أي تأثيرات إلكترومغناطيسية أو حرارية خارجية قد تُشوّه نتائج التجارب البالغة الحساسية. وقد أتاحت هذه الإمكانيات للباحثين ضبط المتغيرات بدقة فائقة وقياس الشغل الناتج في ظروف موثوقة وقابلة للتكرار.

يرى الفريق البحثي أن هذا الإنجاز لا يُمثّل نهاية المطاف، بل خطوة افتتاحية في رحلة بحثية طويلة المدى. ستنصبّ الجهود القادمة على تحسين كفاءة المحرك ورفع قدرته على إنتاج الشغل في كل دورة، واستكشاف إمكانية دمجه في منظومات حوسبة كمية تضم مئات الكيوبتات أو تتجاوزها. وإذا ما نجحت هذه المساعي، فإن المحرك الحراري الكمي قد يُغيّر بصورة جذرية طريقة تصميم الحواسيب الكمية المستقبلية وتشغيلها، مُسهمًا في إزالة أحد أكبر العوائق التي تحول دون تحوّل هذه التقنية إلى تطبيقات تجارية واسعة النطاق.

تعكس هذه الخطوة العلمية أهميةً مباشرة لمبادرات الحوسبة الكمية التي تُطلقها دول عربية كالإمارات والسعودية وقطر بخُطى متسارعة. فشركة G42 الإماراتية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة تمتلك استراتيجيةً واضحةً نحو الحوسبة الكمية، وكذلك معهد قطر لبحوث الحوسبة (QCRI) ومركز الملك عبدالعزيز للحوسبة عالية الأداء في الرياض. وأكبر عائق أمام توسيع هذه الحواسيب هو تكلفة البنية التحتية الكريوجينية وكابلات التحكم بالكيوبتات. فإذا ما نجح المحرك الحراري الكمي الفنلندي في تقليص هذه الحاجة، فإن مراكز الحوسبة الكمية الخليجية قد تجد طريقها نحو التوسع التجاري قبل نهاية العقد الحالي بتكاليف أكثر واقعية.

تُسلّط هذه النتائج الضوء على حقيقة علمية بالغة الأثر: إن قوانين الديناميكا الحرارية التي صاغها علماء القرن التاسع عشر لا تزال صالحة حتى في العوالم الكمية الأكثر غرابةً وتجريدًا. وربما يكون هذا الاكتشاف نافذةً تُطلّ منها الإنسانية على أفق جديد من الفهم، حيث يلتقي عالما الكم والحرارة في حوار خصيب يُلهم أجيالًا قادمة من الفيزيائيين والمهندسين نحو ابتكارات لم تكن متخيَّلة بالأمس.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

زوجان في منتصف العمر يمارسان الركض الخفيف برفقة رمزية ساعة ولولب للحمض النووي

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر

أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.

MIT Technology Review
سمكة قرش سوداء الزعنفة تسبح في مياه ضحلة وصافية قبالة سواحل فلوريدا

دراسة ميدانية تكشف كيف تسمع أسماك القرش وتحدد مصدر الصوت من 74 متراً

أجرى باحثون أمريكيون أول دراسة ميدانية كمّية لسمع أسماك القرش الحرة في المحيط، وتبيّن أن أسماك القرش السوداء الزعنفة تكشف الأصوات منخفضة التردد من مسافة تصل إلى 74 متراً وتحدد اتجاهها بدقة.

ScienceDaily
تصور فني لذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية في حقل ليزر متضمّن

فيزيائيون في كالتك يرصدون سلّماً طاقياً كمومياً تنبأت به نظرية قبل 40 عاماً

تمكّن فيزيائيون في معهد كالتك من قياس أنماط طاقة كمومية تنبأت بها نظرية الحقل المطابق منذ أربعة عقود، باستخدام ذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية، في تأكيد تجريبي دقيق لنظرية رياضية طويلة الأمد.

ScienceDaily
رسم توضيحي لتراكم لويحات الكوليسترول داخل وعاء دموي متصلب

دراسة ضخمة: واحد من كل 13 شاباً يحمل تصلب شرايين صامتاً دون أن يعلم

كشفت دراسة REACT التي شملت أكثر من 16800 شخص سليم ظاهرياً أن تصلب الشرايين يبدأ في سن مبكرة أكثر من المتوقع، حيث يحمله واحد من كل 13 شاباً بين 18 و29 عاماً دون أي أعراض.

ScienceDaily
تصور فني لنجم مغناطيسي وحقله المغناطيسي القوي

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد

فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

ScienceDaily
تصور فني لبتات كمومية متشابكة في نظام حوسبة كمومية

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة

باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

ScienceDaily