محاكاة جديدة تكشف أن جيولوجيا الأرض وتيا حدّدت مصير تكوّن القمر

اكتشف علماء في معهد ساوثويست للأبحاث أن درجة الحرارة وخصائص مادة الأرض وتيا عند الاصطدام قبل 4.5 مليار سنة تُحدّد جوهرياً سيناريو تكوّن القمر، مما يتحدى الافتراضات السائدة في نظرية الارتطام العملاق.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٢ سبتمبر ٢٠٢٦
المصدر
Science Daily ↗
القراءات
١
الوقت
قراءة 3 دقائق
تصوير فني لتصادم الأرض وكوكب تيا وتشكّل القمر

توصّل علماء من معهد ساوثويست للأبحاث وجامعة أريزونا في الولايات المتحدة، في سبتمبر 2026، إلى نتائج تُعيد النظر في أحد أكثر الأحداث الكونية درامية في تاريخ نظامنا الشمسي: التصادم الذي أسفر عن ولادة القمر قبل نحو أربعة وخمسة أعشار مليار سنة. نُشرت نتائج الدراسة في مجلة The Astrophysical Journal Letters.

تقوم نظرية الارتطام العملاق التي تحظى بقبول واسع في الأوساط العلمية على فرضية مفادها أن جسماً بحجم كوكب المريخ يُعرف بـ"تيا" اصطدم بالأرض الفتية قبل مليارات السنين. وقد ظلت المحاكاات الحاسوبية لهذا الحدث الهائل، ومنها الدراسة الرائدة التي أجرتها روبين كانوب عام 2001، تعتمد على فرضية تبسيطية مفادها أن الطاقة الهائلة للتصادم تجعل كلا الجسمين يتصرّفان كالسوائل، مما أجاز التعامل معهما باعتبارهما كتلتين سائلتين في التدفق.

أما الدراسة الجديدة فتُفنّد هذه الفرضية المُبسّطة، مُثبتةً أن الخصائص الجيولوجية لكلٍّ من الأرض وتيا قبل التصادم تُغيّر تغييراً جوهرياً مسار تكوّن القمر وطريقته. تقول الباحثة أديني دينتون: "اكتشفنا أن الجيولوجيا البدائية للجسم الأوّلي بحجم المريخ تُحدث فارقاً. حين تُحاكي تصادم الأرض وتيا باعتبارهما جسمين ذوَي خصائص جيولوجية، فإن ذلك يُغيّر طريقة تشكّل القمر من ذلك التصادم."

استعان الفريق بتقنية ديناميكا الجسيمات الهيدروديناميكية المنعّمة بصيغتها المتطورة التي تأخذ في الحسبان متانة المواد وصلابتها، بدلاً من معاملتها كسوائل. وكشفت هذه المحاكاات عن سيناريوهين متباينين جذرياً تبعاً للظروف الحرارية والجيولوجية المبدئية.

في السيناريو الأول الذي يُشبه النموذج التقليدي، ينتهي التصادم بتفكّك تيا وتشتّت مادتها لتُكوّن القرص قبل القمري، وهو حزام من الحطام يدور حول الأرض ويتراكم تدريجياً ليُشكّل القمر على مدى فترة زمنية ممتدة. أما السيناريو الثاني فهو المفاجأة الحقيقية: في ظروف بعينها، يُنتج التصادم قمراً سليم البنية في غضون ساعات معدودة، لا تتجاوز الخمس ساعات. هذا يعني أن القمر لم ينبثق حتماً من قرص أنقاض دائر كما افترضنا، بل ربما نشأ بوصفه جسماً متكاملاً في فترة وجيزة.

العامل الحاسم في تحديد أيّ السيناريوين يتحقق هو درجة الحرارة الداخلية لكلٍّ من الأرض وتيا لحظة التصادم. فالأجسام الأكثر سخونةً تكون أضعف من الناحية الميكانيكية، وهذا الضعف يُغيّر طريقة تفكّكها وتشتّتها. ومن ثم، فإن ما قد يبدو متغيراً ثانوياً يُصبح محدداً رئيسياً لمصير تكوّن أكبر تابع طبيعي لكوكبنا.

تُعلّق روبين كانوب، صاحبة الدراسة الأصلية عام 2001، قائلةً: "هذه النتائج المثيرة والمدهشة تُلمّح إلى وجود صلة محتملة بين الخصائص الفيزيائية للقمر اليوم، وربما محتواه من المواد المتطايرة، والحالة الحرارية للأرض وتيا في لحظة الارتطام العملاق."

هذا الاستنتاج بالغ الأثر؛ إذ يعني أن تركيب القمر الذي نرصده اليوم، من كمية المياه وغيرها من المركبات المتطايرة، قد يحمل في طياته أثراً مباشراً لظروف التصادم البدائي. وبعبارة أخرى، قد يكون القمر نافذةً علميةً أكثر دقةً مما تصوّرنا لتتبّع الظروف التي سادت في نظامنا الشمسي المبكر.

تفتح هذه الدراسة باباً جديداً لإعادة قراءة البيانات الجمّة التي جمعتها البعثات القمرية على مدى العقود الماضية، بعين جديدة تُدرك الدور المحوري للجيولوجيا البدائية والحالة الحرارية في رسم مصير الأجسام الكوكبية. كما تُثير تساؤلات مشروعة حول تكوّن الأقمار في المنظومات الشمسية الأخرى، وما إذا كانت الشروط الجيولوجية للكواكب الأم تلعب دوراً مشابهاً في تشكيل توابعها.

يحمل هذا الاكتشاف أهمية خاصة للعالم العربي الذي انطلق بخطى واثقة في مسيرته الفضائية؛ فقد أثبت مسبار الأمل الإماراتي الذي أُطلق عام 2020 وأتمّ مهمته حول المريخ أن المنطقة باتت لاعباً فعلياً في ميدان علوم الكواكب. وفهم تشكّل الأجسام الكوكبية كالقمر يُغذّي مباشرةً برامج تأهيل الكوادر العلمية الفضائية في الإمارات والسعودية ضمن رؤية 2030، ويُرسّخ القناعة المتنامية لدى صانعي القرار في المنطقة بأن الاستثمار في علوم الفضاء ضرورة استراتيجية في عصر التنافس الكوني على الاستكشاف.

يُكشف هذا البحث كذلك عن قصور في النماذج التبسيطية التي دأب العلماء على استخدامها لفهم الأحداث الكوكبية الكبرى، ويدعو إلى تبنّي نماذج أكثر تفصيلاً تأخذ في الحسبان الخصائص الفيزيائية الحقيقية للأجسام المتصادمة، وليس مجرد كتلتها وطاقتها الحركية.

المصدر الأصلي
Science Daily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

تصور فني لنجم مغناطيسي وحقله المغناطيسي القوي

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد

فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

ScienceDaily
تصور فني لبتات كمومية متشابكة في نظام حوسبة كمومية

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة

باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

ScienceDaily
قمر صناعي تجريبي يحمل شريحة معالجة تنسورية من جوجل قبل إطلاقه إلى الفضاء

جوجل تطلق أول شريحة تنسورية إلى الفضاء ضمن مشروع مراكز بيانات مدارية

جوجل تختبر تشغيل شريحة TPU على متن قمر صناعي في المدار المنخفض، في خطوة أولى ضمن رؤية طويلة الأمد لبناء مراكز بيانات تعمل بالطاقة الشمسية خارج الغلاف الجوي للأرض.

TechCrunch
تصور فني لجزيء الحمض النووي الحلزوني المزدوج يرمز لتسلسلات الجينات التي تحللها أنظمة الذكاء الاصطناعي

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟

أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

MIT Technology Review
صورة بانورامية ملتقطة بكاميرا مركبة بيرسيفيرانس لفوهة جيزيرو على المريخ

بيرسيفيرانس يكشف تاريخاً مائياً معقداً داخل فوهة جيزيرو المريخية

كشفت مركبة بيرسيفيرانس عن ثلاث مراحل متعاقبة من تفاعل الماء مع صخور فوهة جيزيرو على المريخ، من مياه جوفية إلى موائع حرارية ساخنة، في مؤشر على تاريخ مناخي معقد وبيئة قديمة قد تكون صالحة للحياة الميكروبية.

ScienceDaily
طاقم مهمة كرو-13 داخل نموذج مركبة دراغون خلال التدريب قبل الإطلاق

مهمة كرو-13: دراغون قد تحقق أسرع رحلة أمريكية إلى محطة الفضاء الدولية

تستعد ناسا وسبيس إكس لإطلاق مهمة كرو-13 بأربعة رواد دوليين، في رحلة قد تصل إلى محطة الفضاء الدولية خلال 7 ساعات و50 دقيقة فقط، وهي الأسرع لمركبة أمريكية مأهولة في تاريخ المحطة.

ScienceDaily
محاكاة جديدة تكشف أن جيولوجيا الأرض وتيا حدّدت مصير تكوّن القمر — ألمعي