ليزر نانوي دنماركي قد يُحوّل الحواسيب إلى أجهزة تعمل بالضوء
طوّر علماء في الجامعة التقنية بالدنمارك ليزراً نانوياً يعتمد التجويف النانوي ويعمل في درجة الحرارة العادية، مما قد يُتيح للرقائق الإلكترونية التواصل بالضوء ويُضاعف سرعة الحوسبة مع تقليص استهلاك الطاقة بالنصف.

نجح علماء في الجامعة التقنية بالدنمارك (DTU)، في سبتمبر 2026، في تطوير ليزر نانوي متناهي الصغر يُتيح للرقائق الإلكترونية التواصل عبر الضوء بدلاً من التيار الكهربائي، في اختراق يصفه الباحثون بأنه قد يُعيد رسم بنية الحواسيب من الداخل. نُشرت نتائج البحث في مجلة Science Advances.
الحاجة إلى هذا النوع من التقنية نابعة من تناقض قائم في قلب البنية التحتية الرقمية الحديثة؛ فبينما تعتمد شبكة الإنترنت العالمية على الألياف الضوئية لنقل البيانات بسرعة الضوء، تظل الحواسيب في داخلها رهينةً للدوائر الكهربائية التقليدية التي تُولّد حرارةً زائدة وتُبطّئ الأداء. هذا التناقض يعني أن البيانات تُترجَم مراراً بين الإشارات الضوئية والكهربائية خلال عملها، مما يُبدّد الطاقة ويُقيّد السرعة القصوى الممكنة.
يرتكز الليزر النانوي الجديد على بنية تُعرف بالتجويف النانوي، تعمل على حصر الضوء داخل فضاء بالغ الضآلة، مما يُتيح لجسيمات الضوء والإلكترونات أن تتركّز في المنطقة المجهرية ذاتها. هذا التصميم يُمكّن الليزر من العمل عند درجة حرارة الغرفة باستهلاك طاقة منخفض للغاية، وهو شرط أساسي لأي تطبيق عملي في الرقائق الإلكترونية المدمجة.
يقول الأستاذ يسبر مورك: "الليزر النانوي يفتح إمكانية إنشاء جيل جديد من المكونات التي تجمع بين الأداء العالي والحجم المتناهي الصغر." وتشير تقديرات الفريق إلى أن دمج آلاف هذه الليزرات على رقائق مفردة قد يُضاعف سرعة المعالجة مع خفض استهلاك الطاقة بنحو النصف، وهو إنجاز قد يُغيّر موازين الحوسبة تماماً في السنوات المقبلة.
تجدر الإشارة إلى أن الفوتونيات — أي استخدام الضوء في معالجة المعلومات ونقلها — ليست حقلاً وليد اليوم، لكن إيصالها إلى داخل الرقائق الإلكترونية الفردية لا يزال يُشكّل تحدياً تقنياً شاقاً. فالليزرات الضوئية التقليدية كبيرة الحجم نسبياً وتستهلك طاقةً تجعل دمجها في رقائق مدمجة أمراً عسيراً. أما الليزر النانوي الجديد فيتجاوز هذه العقبة بتصميمه البالغ الدقة والمتوافق مع متطلبات رقائق الحاسوب الحديثة.
صُنّع الليزر في مرافق الغرفة النظيفة بالجامعة التقنية بالدنمارك، وهي بيئة مُعقّمة صارمة تُتيح التصنيع على المستوى النانوي بدقة عالية. وتؤكد الدراسة المنشورة أن الاتصال الضوئي المتكامل داخل المعالجات قد يحمل تداعيات واسعةً الأثر في قطاعات متعددة.
تتصدّر مراكز البيانات قائمة المستفيدين المحتملين؛ فهذه المراكز تستنزف قدراً ضخماً من الطاقة الكهربائية في التشغيل والتبريد، وإدخال الاتصال الضوئي في بنيتها الداخلية قد يُفضي إلى وفورات ضخمة في الطاقة على المستوى العالمي. وفي ظل التوجّه المتصاعد نحو الاستدامة البيئية وخفض الانبعاثات، تكتسب أي تقنية تعد بتخفيض الاستهلاك الطاقي الرقمي أهميةً استراتيجيةً بالغة.
أما في المجال الطبي، فإن الليزر النانوي قد يُتيح إنشاء مستشعرات حيوية فائقة الحساسية قادرة على الكشف عن مؤشرات مرضية بكميات ضئيلة جداً من المواد البيولوجية، فضلاً عن تطبيقات في التصوير الطبي عالي الدقة الذي يُحسّن التشخيص المبكر.
وفي قطاع الاتصالات، يمكن لتكامل الليزرات النانوية مع شبكات الألياف الضوئية الحالية أن يرفع الطاقة الاستيعابية ويُخفّض معدلات زمن الاستجابة، مما يُفيد شبكات الجيل الخامس والأجيال القادمة.
تتقاطع هذه التقنية مع اهتمام خليجي متصاعد ببناء بنية تحتية رقمية متطورة؛ فمراكز البيانات في الإمارات والسعودية تتضاعف طاقتها الاستيعابية بوتيرة قياسية ضمن مساعي التنويع الاقتصادي. ومع تصاعد كثافة الأحمال الحاسوبية في الخدمات السحابية بدبي وأبوظبي والرياض يصبح خفض استهلاك الطاقة هدفاً اقتصادياً وبيئياً في آنٍ واحد، وهو ما قد يجعل الليزر النانوي مكوّناً محورياً في جيل البنية الرقمية القادم للخليج حيث تُعدّ كفاءة الطاقة ركيزةً لتحقيق أهداف الاستدامة ضمن رؤية 2030 السعودية وخطة الطاقة الإماراتية 2050.
يُقرّ الفريق بأن ثمة تحديات تقنية لا تزال قائمة، أبرزها الانتقال من التغذية الضوئية الحالية إلى التشغيل بالكهرباء مباشرةً، وهو شرط لا غنى عنه للتكامل الكامل مع الدوائر الإلكترونية. غير أن الباحثين يُقدّرون أن هذه العقبات يمكن تجاوزها في غضون خمس إلى عشر سنوات. وإن صحّ هذا التقدير، فقد يشهد العقد المقبل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الحوسبة تجمع بين قوة الإلكترونيات وسرعة الضوء.
المزيد من أجهزة

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد
فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة
باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

جوجل تطلق أول شريحة تنسورية إلى الفضاء ضمن مشروع مراكز بيانات مدارية
جوجل تختبر تشغيل شريحة TPU على متن قمر صناعي في المدار المنخفض، في خطوة أولى ضمن رؤية طويلة الأمد لبناء مراكز بيانات تعمل بالطاقة الشمسية خارج الغلاف الجوي للأرض.

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟
أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

بيرسيفيرانس يكشف تاريخاً مائياً معقداً داخل فوهة جيزيرو المريخية
كشفت مركبة بيرسيفيرانس عن ثلاث مراحل متعاقبة من تفاعل الماء مع صخور فوهة جيزيرو على المريخ، من مياه جوفية إلى موائع حرارية ساخنة، في مؤشر على تاريخ مناخي معقد وبيئة قديمة قد تكون صالحة للحياة الميكروبية.

موجات الحر البحرية تُخفي شهوراً إضافية من الاحترار لا ترصدها القياسات التقليدية
دراسة أمريكية جديدة تكشف أن قياسات موجات الحر البحرية التقليدية تقلل التعرض الحراري الفعلي للكائنات البحرية بأكثر من 150%، إذ تتجاهل فترات احترار ممتدة تسبق الموجة وتليها.