لماذا تُخرج نافورات قمر إنسيلادوس الجليدية أسراراً كيميائية غير متوقعة

كشفت تجارب مخبرية أن سرعة تجميد قطرات محيط إنسيلادوس تفصل أملاحه كيميائياً بشكل طبيعي، ما يسهّل على المركبات الفضائية المستقبلية كشف مؤشرات الحياة المحتملة في هذا القمر الجليدي.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
نافورات جليدية تنبعث من القطب الجنوبي لقمر زحل إنسيلادوس

اكتشف فريق دولي من العلماء أن حبيبات الجليد المنبعثة من النافورات الجليدية على قمر زحل إنسيلادوس تحمل تنوعاً كيميائياً غير متوقع، إذ لا تعكس كل حبيبة التركيب الكيميائي الكامل للمحيط تحت السطح كما كان يُفترض، بل تحمل كل حبيبة على حدة تركيزاً مختلفاً جذرياً عن الأخرى. فبعض الحبيبات غنية بكلوريد الصوديوم، وأخرى مركّزة في الكربونات أو الفوسفات أو كلوريد البوتاسيوم، مع ملاحظة لافتة مفادها أن الكلوريدات والكربونات "نادراً ما تظهران معاً في الحبيبة الغنية بالصوديوم ذاتها".

وأعاد باحثون من معهد علوم الأرض والحياة (ELSI) في طوكيو، بقيادة الأستاذ ياسوهيتو سيكينه، محاكاة ظروف المحيط الموجود على إنسيلادوس في المختبر، عبر تجميد قطرات تحتوي على الأملاح المكتشفة في هذا المحيط بمعدلات تبريد مختلفة. وكشفت التجارب أن سرعة التجميد هي العامل الحاسم في الفصل الكيميائي بين الأملاح: فالقطرات التي يبلغ قطرها نحو 200 ميكرومتر، والتي تتجمد ببطء بمعدل يقارب 10 كلفن في الدقيقة أو أبطأ، أظهرت انفصالاً واضحاً للأملاح إلى مناطق متمايزة داخل القطرة الواحدة، في حين حافظ التجميد السريع على مزيج متجانس من الأملاح.

ويقترح الباحثون آلية محددة لتفسير هذه الظاهرة داخل باطن القمر: تتشكل القطرات أولاً في المحيط تحت السطح، ثم تتحرك ببطء عبر شبكة من القنوات الجوفية، وتتجمد تدريجياً أثناء عبورها الشقوق الصخرية والجليدية. وكلما اقتربت من السطح، يتسبب تسارع الغازات المرافقة في اصطدام القطرات المتجمدة بجدران قنوات الجليد، فتتفتت إلى شظايا صغيرة، تحمل كل شظية منها تركيباً كيميائياً يعكس منطقة مختلفة من القطرة الأصلية التي انفصلت عنها.

وشارك في الدراسة أيضاً الأستاذ فرانك بوستبرغ من جامعة برلين الحرة، الذي حلّل 961 طيفاً كتلياً جُمعت بواسطة مسبار كاسيني خلال مروره عبر نافورات إنسيلادوس، إلى جانب فريق دولي من مؤسسات بحثية متعددة.

وتحمل هذه النتيجة دلالات عميقة لعلم الأحياء الفلكي. فمن الناحية العملية، تُختصر خطوة أساسية من خطوات التحليل المخبري: "غالباً ما تُنفض المختبرات جهداً كبيراً في فصل المواد الكيميائية وتركيزها قبل تحليل أي عينة، ويبدو أن إنسيلادوس ينجز هاتين الخطوتين بشكل طبيعي"، بحسب ما أشار إليه الباحثون، إذ يركّز القمر المركّبات المخفّفة أصلاً داخل حبيبات فردية يسهل تحليلها لاحقاً.

كما تشير أبحاث سابقة إلى أن المركبات العضوية تخضع لعملية فصل وتركيز مشابهة، ما قد يسهّل بشكل كبير كشف التوقيعات البيولوجية المحتملة في مهمات فضائية مستقبلية. وعلاوة على ذلك، فإن التجميد البطيء يحبس جيوباً من المحلول الملحي المركّز بين بلورات الجليد، وهي ظروف مواتية لعمليات الكيمياء ما قبل الحيوية التي يُعتقد أنها سبقت ظهور الحياة على الأرض. ويضيف الباحثون أن سقوط المادة على إنسيلادوس بشكل متكرر يتيح دورات متعاقبة من التجميد والتركيز وإعادة التدوير، وهو ما قد يعزز تراكم التعقيد الكيميائي داخل القمر مع مرور الوقت.

وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن المركبات التي قد تجمعها المركبات الفضائية المستقبلية من نافورات إنسيلادوس لن تكون عينات خامّ غير معالجة، بل عينات خضعت أصلاً لعملية فرز وتركيز طبيعية، وهو ما يرفع بشكل كبير من قدرة هذه المهمات على تقييم مدى صلاحية القمر للحياة والبحث عن مؤشرات بيولوجية محتملة فيه.

وتنعكس هذه الاكتشافات على مستقبل برامج الفضاء العربية؛ فالإمارات التي أرسلت مسبار الأمل إلى المريخ تدرس مهمات فضائية أبعد مدىً في أفق استكشاف المجموعة الشمسية، وقد يكون الفهم المتعمق لكيمياء الأقمار الجليدية بوصفها بيئات محتملة للحياة أحد محاور اهتمام المخططات الإماراتية والسعودية للعلوم الفضائية المتقدمة. ويُقدّم مركز محمد بن راشد للفضاء ووكالة الفضاء السعودية مساهمات متنامية في الأبحاث الفضائية الدولية، وتبقى الأسئلة المتعلقة بقابلية أجرام المجموعة الشمسية لدعم الحياة من أكثر المجالات التي تتباحث فيها الوكالات الدولية مع شركائها في الخليج.

وتضيف هذه الدراسة طبقة جديدة من الفهم لأحد أبرز الأهداف المرشحة للبحث عن حياة خارج كوكب الأرض في المجموعة الشمسية، بعد أن كشفت رصدات سابقة عن وجود محيط سائل تحت الجليد على إنسيلادوس، ونشاط جيولوجي نشط يقذف مادة هذا المحيط إلى الفضاء عبر شقوق قطبية، ما يجعله موقعاً محورياً في تخطيط بعثات استكشاف المحيطات الجليدية المستقبلية.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

تصور فني لنجم مغناطيسي وحقله المغناطيسي القوي

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد

فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

ScienceDaily
تصور فني لبتات كمومية متشابكة في نظام حوسبة كمومية

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة

باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

ScienceDaily
قمر صناعي تجريبي يحمل شريحة معالجة تنسورية من جوجل قبل إطلاقه إلى الفضاء

جوجل تطلق أول شريحة تنسورية إلى الفضاء ضمن مشروع مراكز بيانات مدارية

جوجل تختبر تشغيل شريحة TPU على متن قمر صناعي في المدار المنخفض، في خطوة أولى ضمن رؤية طويلة الأمد لبناء مراكز بيانات تعمل بالطاقة الشمسية خارج الغلاف الجوي للأرض.

TechCrunch
تصور فني لجزيء الحمض النووي الحلزوني المزدوج يرمز لتسلسلات الجينات التي تحللها أنظمة الذكاء الاصطناعي

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟

أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

MIT Technology Review
صورة بانورامية ملتقطة بكاميرا مركبة بيرسيفيرانس لفوهة جيزيرو على المريخ

بيرسيفيرانس يكشف تاريخاً مائياً معقداً داخل فوهة جيزيرو المريخية

كشفت مركبة بيرسيفيرانس عن ثلاث مراحل متعاقبة من تفاعل الماء مع صخور فوهة جيزيرو على المريخ، من مياه جوفية إلى موائع حرارية ساخنة، في مؤشر على تاريخ مناخي معقد وبيئة قديمة قد تكون صالحة للحياة الميكروبية.

ScienceDaily
طاقم مهمة كرو-13 داخل نموذج مركبة دراغون خلال التدريب قبل الإطلاق

مهمة كرو-13: دراغون قد تحقق أسرع رحلة أمريكية إلى محطة الفضاء الدولية

تستعد ناسا وسبيس إكس لإطلاق مهمة كرو-13 بأربعة رواد دوليين، في رحلة قد تصل إلى محطة الفضاء الدولية خلال 7 ساعات و50 دقيقة فقط، وهي الأسرع لمركبة أمريكية مأهولة في تاريخ المحطة.

ScienceDaily