خوذة إلكترونية تُعالج الاكتئاب كهربائياً دون الحاجة إلى دواء
أجازت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية جهاز فلو نيوروساينس السويدي الذي يُحفّز الفص الجبهي الأيسر كهربائياً لعلاج الاكتئاب، بديلاً عن مضادات الاكتئاب وبتكلفة أدنى بكثير من التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة.
.jpg)
حصلت شركة فلو نيوروساينس السويدية في ديسمبر الماضي على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لطرح خوذتها الإلكترونية في الأسواق الأمريكية، وهي جهاز يُلبَس على الجبهة لمدة ثلاثين دقيقة يومياً يوفّر تحفيزاً كهربائياً منخفض الشدة للفص الجبهي الأيسر من الدماغ. تأتي هذه الخطوة في بلدٍ يتناول فيه نحو شخص من كل ستة بالغين مضاد الاكتئاب، لتقدّم الشركة جهازها بوصفه بديلاً علاجياً واعداً لملايين المصابين بهذا الاضطراب.
يُعدّ الفص الجبهي الأيسر من الدماغ منطقةً محوريةً في تنظيم المزاج والمشاعر؛ إذ تُشير الأبحاث إلى أن المصابين بالاكتئاب يعانون من انخفاض ملحوظ في مستوى النشاط العصبي وضعف في الروابط بين الخلايا العصبية داخل هذه المنطقة تحديداً. ويعمل جهاز فلو على استهداف هذه الثغرة عبر تقنية التحفيز المباشر عبر الجمجمة بالتيار المستمر، التي تُمرّر تياراً كهربائياً خفيفاً عبر قطبَين معدنيَّين موضوعَين على الجبهة، بهدف تنشيط الخلايا العصبية وتعزيز الاتصال بينها.
تستهدف هذه التقنية المنطقة الدماغية ذاتها التي يعمل عليها التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة، وهو علاج معتمد للاكتئاب يستخدم مجالات مغناطيسية لتنشيط الخلايا العصبية. غير أن التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة يستلزم زيارات دورية إلى عيادات متخصصة، وقد تبلغ تكلفة دورته الكاملة خمسة عشر ألف دولار في غياب التأمين الصحي. في المقابل، يتيح جهاز فلو للمريض إجراء جلسات العلاج بنفسه في المنزل، مما يُزيل عائق التنقل ويُخفّض التكلفة الإجمالية بصورة ملموسة.
في تجربة سريرية شملت مئةً وأربعةً وسبعين شخصاً مصاباً باضطراب الاكتئاب الحاد، أظهرت النتائج أن خمسةً وأربعين بالمئة من المشاركين الذين استخدموا الجهاز الفعلي شهدوا تراجعاً كاملاً في الأعراض بعد عشرة أسابيع، مقارنةً باثنين وعشرين بالمئة فحسب ممن استخدموا نسخةً وهميةً من الجهاز. وهذا الفارق الجوهري يُعدّ دالاً إحصائياً بوضوح، ويُقدّم حجةً قويةً على أن الجهاز يتجاوز مجرد التأثير الوهمي.
أما على صعيد الآثار الجانبية، فقد جاءت خفيفةً بشكل لافت، واقتصرت على تهيج الجلد في موضع الأقطاب، والصداع العابر، وصعوبة التركيز المؤقتة. وتبدو هذه الآثار شحيحةً قياساً بما قد يُعاني منه مستخدمو مضادات الاكتئاب التقليدية، إذ تشمل قائمتها المعروفة: الغثيان، واكتساب الوزن، والنعاس، وجفاف الفم، واضطرابات الوظيفة الجنسية.
ليست هذه المرة الأولى التي يُطرح فيها الجهاز؛ فمنذ عام ألفين وتسعة عشر، يحمل اعتماد الهيئات التنظيمية الأوروبية، وقد استخدمه ما يزيد على خمسة وستين ألف شخص في أرجاء القارة. وعلى الجانب البريطاني، شرعت هيئة الخدمات الصحية الوطنية في تجريب الجهاز ضمن برامج رسمية، مما يُعطي إشارةً إيجابيةً حول إمكانية دمجه مستقبلاً في منظومة الرعاية الصحية العامة.
في الولايات المتحدة، يحتاج الراغبون في استخدام الجهاز إلى وصفة طبية تُستخرج حضورياً أو عبر خدمات الرعاية الصحية عن بُعد. وتبلغ تكلفته ألفين ومائتي دولار للدورة الأولى الممتدة عشرة أسابيع، ثم ثلاثمئة وخمسةً وعشرين دولاراً شهرياً بعد ذلك. تُعدّ هذه التكلفة مرتفعةً مقارنةً بمضادات الاكتئاب الاعتيادية المشمولة في الغالب بالتأمين الصحي، غير أن الشركة تسعى حالياً للحصول على تغطية تأمينية، وهو مسار قد يُغيّر معادلة الوصول إليه جذرياً إن نجح.
يعاني العالم العربي من فجوة واسعة في الرعاية الصحية النفسية؛ إذ تُشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى نقص حاد في المختصين النفسيين في معظم الدول العربية، فضلاً عن الوصمة الاجتماعية التي تُعيق كثيرين عن طلب المساعدة. وفيما تُطلق السعودية ومصر والإمارات استراتيجيات لتعزيز الصحة النفسية، قد يمثّل هذا الجهاز المنزلي بديلاً واعداً لمن لا يتيسّر لهم الوصول إلى العيادات المتخصصة، لا سيما في ظل التوسع المتسارع في خدمات الرعاية الصحية الرقمية التي تشهدها المنطقة.
تطرح هذه التقنية أسئلةً جوهريةً حول مستقبل طب الصحة النفسية: هل سيصبح التحفيز الكهربائي للدماغ في المنزل بديلاً سائداً عن الأدوية؟ وهل يفتح هذا الجهاز الباب أمام تيسير الوصول إلى الرعاية النفسية لمن لا يستطيعون الالتزام بجلسات عيادية دورية، أو لمن لم يستجيبوا للعلاج الدوائي على النحو المطلوب؟ ثمة قيود لا بد من الإشارة إليها؛ إذ لا تزال الدراسات المقارنة المباشرة مع مضادات الاكتئاب الموثوقة شحيحةً، كما تبقى فاعلية الجهاز على المدى البعيد موضعَ تقصٍّ علمي مستمر. بيد أن الحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء يمثّل شهادةً لا يُستهان بها على الأمان والفاعلية، ويضع جهاز فلو في مقدمة البدائل العلاجية المشروعة التي يمكن النظر فيها بجدية، في خضم أزمة صحة نفسية عالمية تزداد حدةً وتعقيداً يوماً بعد يوم.
المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

دراسة: اتباع حمية مايند بدقة قد يؤخر شيخوخة الدماغ عامين ونصف
دراسة طويلة الأمد على أكثر من 1600 شخص تربط التزام حمية مايند الغذائية بتباطؤ فقدان المادة الرمادية في الدماغ، مع دور خاص للتوت والدواجن في حماية صحة الدماغ مع التقدم في السن.

علماء يطورون نظام ذكاء اصطناعي يعيد بناء الصور من مسح الدماغ في ساعة واحدة
باحثون في معهد وايزمان يطورون مُفسِّراً دماغياً بالذكاء الاصطناعي يعيد بناء ما يراه الشخص من بيانات التصوير الوظيفي، ويخفض زمن المعايرة اللازم من 40 ساعة إلى ساعة واحدة فقط.

اكتشاف فيروس جديد ينقله القراد وراء أعراض غامضة لدى المصابين
حدد باحثون صينيون فيروساً جديداً ينقله القراد يُدعى ALTNV، وكشفوا أن العدوى المشتركة به مع فيروس آخر معروف ترفع معدل الوفيات إلى 18.4%، ما يستدعي تطوير أساليب تشخيصية أدق للتمييز بين الفيروسين.

مركّب من الرمان يحسّن وظيفة القلب بنسبة 80% في دراسة جديدة
وجد باحثون من كينغز كوليدج لندن أن مركّب اليوروليثين A، الناتج عن هضم الرمان والجوز، حسّن وظيفة القلب بنسبة تصل إلى 80% في نماذج مصابة بقصور القلب مع الكسر القذفي المحفوظ، مع التشديد على ضرورة إجراء تجارب سريرية بشرية.

مفاجأة علمية: محرك خفي لمرض الزهايمر قد ينشط خارج الدماغ تماماً
اكتشف باحثون في جامعة واشنطن مساراً مناعياً غير متوقع ينطلق من العقد الليمفاوية خارج الدماغ ويؤدي دوراً رئيسياً في التنكس العصبي المرتبط بالزهايمر، فتح آفاقاً علاجية جديدة.

دراسة جديدة: القهوة بكافيين أو بدونه تُعيد تشكيل ميكروبيوم الأمعاء والمزاج
وجدت دراسة أيرلندية أن القهوة بنوعيها العادي ومنزوع الكافيين تُغيّر بكتيريا الأمعاء وتخفض الشعور بالتوتر والاكتئاب، فيما تحسّن النسخة منزوعة الكافيين التعلم والذاكرة وتعزز نسخة الكافيين التركيز.