هل الكون لانهائي؟ قياسات إشعاع الخلفية الكونية تكشف إجابة محيّرة
تُظهر قياسات دقيقة لإشعاع الخلفية الكونية الميكروي أن الكون مسطح هندسياً، لكن العلماء يوضحون أن التسطح لا يعني بالضرورة أن الكون لانهائي الامتداد.

يظل سؤال ما إذا كان الكون لانهائياً أم محدوداً من أكثر الأسئلة الكونية إثارة للجدل، وقد كشفت قياسات فلكية دقيقة حديثة أن الإجابة تبقى، حتى الآن، بعيدة المنال بشكل جوهري، وفق مقال نشره الباحث بول ساتر عبر موقع Universe Today.
وتعتمد هذه القياسات على دراسة إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وهو إشعاع كهرومغناطيسي يملأ الكون بأكمله، ويمثل بقايا الضوء الذي انطلق بعد نحو 380 ألف سنة فقط من الانفجار العظيم، حين أصبح الكون بارداً بما يكفي لتصبح الذرات مستقرة والضوء قادراً على الانتشار بحرية دون أن تعترضه جسيمات مشحونة. ويحمل هذا الإشعاع بصمة دقيقة لتفاوتات طفيفة جداً في كثافة الكون في تلك المرحلة المبكرة جداً من عمره.
ويقارن الفلكيون الحجم الظاهري لهذه التفاوتات، كما تُرصد اليوم، بالتنبؤات النظرية المحسوبة لأشكال هندسية كونية مختلفة، سواء كانت مسطحة أو منحنية بشكل موجب كسطح كرة أو منحنية بشكل سالب كسطح سرج. وبحسب المقال، فإن "هذه السمات تظهر عند المقياس المتوقع تماماً لفضاء مسطح"، أي أن جميع القياسات المتاحة حتى الآن تتفق بدقة مع فرضية أن الكون المرصود يتمتع بهندسة مسطحة إقليدية تقليدية، حيث تسير الأشعة الضوئية المتوازية في خطوط مستقيمة دون أن تتقاطع أو تتباعد بفعل انحناء الفضاء نفسه.
غير أن المقال يشدد على نقطة جوهرية غالباً ما يُساء فهمها: أن التسطح الكوني لا يعني بالضرورة أن الكون لانهائي الامتداد. فمن الممكن تماماً أن يكون الكون المرصود، رغم تسطحه الظاهري، مجرد رقعة صغيرة نسبياً ضمن كون أشمل بكثير يتمتع بانحناء إجمالي واسع النطاق يتعذر رصده عند المقاييس التي يمكننا الوصول إليها حالياً. وبعبارة أخرى، فإن "الفضاء قد ينحني في نهاية المطاف ليعود على نفسه"، أو قد تلتف بعض أبعاده على شكل حلقي مغلق بينما يبقى الفضاء مسطحاً محلياً في كل نقطة، تماماً كما تبقى سطح أسطوانة مسطحة محلياً رغم كونها ملتفة على شكل أنبوب مغلق.
ويكمن جذر هذه الإشكالية في وجود حد فيزيائي صارم يُعرف بالأفق الكوني، وهو أقصى مسافة يمكن أن يصلنا منها ضوء منذ لحظة نشأة الكون، إذ إن أي منطقة أبعد من هذا الحد لم يتح للضوء الصادر منها الوقت الكافي بعد للوصول إلينا، بصرف النظر عن عمر الكون الفعلي أو حجمه الحقيقي. وهذا يعني أن الفلكيين محكومون بحدود رصدية لا يمكن تجاوزها مهما تطورت أدوات الرصد المستقبلية، ما لم يتغير الفهم الفيزيائي الأساسي لسرعة الضوء وعمر الكون.
وقد حاول علماء الفلك على مدى سنوات البحث عن أنماط متكررة في توزيع إشعاع الخلفية الكونية الميكروي قد تشير إلى أن الكون يتمتع بطوبولوجيا مغلقة، أي أنه لو سافر المرء بخط مستقيم لفترة طويلة كافية فسيعود في النهاية إلى نقطة انطلاقه، تماماً كما يحدث لمن يسير على سطح كرة. غير أن هذا البحث لم يسفر حتى الآن عن أي دليل مقنع يدعم مثل هذا الافتراض، ما يترك السؤال مفتوحاً دون حسم واضح في أي من الاتجاهين.
ويكتسب هذا النقاش العلمي صدى ثقافياً خاصاً في العالم العربي الذي يتجذر فيه علم الفلك عبر إسهامات علماء كالبتاني والبيروني وابن الهيثم في رسم خرائط الكون وقياساته. وتعكس المبادرات الفلكية الحديثة كمرصد جبل المغسير في عُمان ومركز ميم للعلوم والتكنولوجيا في الإمارات، إلى جانب النشاط المتنامي لجمعيات الفلك في مصر والسعودية والمغرب، استمرارية هذا الفضول المعرفي وتجذره. وتُمثل أسئلة من قبيل هل الكون لانهائي أم محدود من الأسئلة التي يشجع علماء المنطقة طلابهم على استيعابها ضمن سياق يجمع العلم الحديث بالموروث الفكري العربي الإسلامي.
ويخلص المقال إلى استنتاج متواضع علمياً لكنه عميق الدلالة: قد لا نتمكن أبداً من تحديد بيقين تام ما إذا كان الكون لانهائياً أم محدوداً، منحنياً أم مسطحاً تماماً، أو حتى ما إذا كان يحمل بنية طوبولوجية أعقد مما نتخيله حالياً. ويعكس هذا التواضع المعرفي طبيعة علم الكونيات الحديث ذاته، الذي يتقدم بخطى حثيثة في فهم آليات الكون وتطوره، لكنه يصطدم في الوقت نفسه بحدود فيزيائية أساسية تحول دون الإجابة القاطعة عن بعض أكثر الأسئلة الوجودية عمقاً حول طبيعة الوجود ذاته وحدوده، إن كانت له حدود من الأساس.
المزيد من علوم

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد
فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة
باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟
أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

بيرسيفيرانس يكشف تاريخاً مائياً معقداً داخل فوهة جيزيرو المريخية
كشفت مركبة بيرسيفيرانس عن ثلاث مراحل متعاقبة من تفاعل الماء مع صخور فوهة جيزيرو على المريخ، من مياه جوفية إلى موائع حرارية ساخنة، في مؤشر على تاريخ مناخي معقد وبيئة قديمة قد تكون صالحة للحياة الميكروبية.

موجات الحر البحرية تُخفي شهوراً إضافية من الاحترار لا ترصدها القياسات التقليدية
دراسة أمريكية جديدة تكشف أن قياسات موجات الحر البحرية التقليدية تقلل التعرض الحراري الفعلي للكائنات البحرية بأكثر من 150%، إذ تتجاهل فترات احترار ممتدة تسبق الموجة وتليها.

علماء يابانيون يحلّون لغزاً كمومياً عمره 25 عاماً في قياس حالة W المتشابكة
فريق من جامعتي كيوتو وهيروشيما يطور طريقة جديدة لرصد حالة W الكمومية متعددة الفوتونات دفعة واحدة، في إنجاز قد يسرّع تطور الإرسال الكمي والحوسبة الكمومية.