هل الدماغ مُولِّد للوعي أم مجرد وسيط؟ عالم أعصاب يُعيد طرح سؤال القرن

يتحدى عالم الأعصاب كريستوف كوك الافتراض المادي بأن الدماغ يُنتج الوعي، مستنداً إلى ظواهر علمية معقدة كالوضوح الذهني الأخير وتجارب الاقتراب من الموت ونظرية المعلومات المتكاملة.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١ أغسطس ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة دقيقتين
صورة ظلية لإنسان يُعبّر عن الوعي والتفكير الداخلي

ثمة سؤال حمله الفلاسفة منذ آلاف السنين ويحاول العلماء الإجابة عنه منذ عقود: لماذا يشعر الإنسان بأي شيء أصلاً؟ ليس كيف يرصد الدماغ ألماً أو يرى لوناً، بل لماذا يكون لهذا الرصد طعم داخلي وتجربة ذاتية؟

هذا ما يُسمى المشكلة الصعبة للوعي، وهو محور ما طرحه عالم الأعصاب البارز كريستوف كوك في ندوة «ما وراء الدماغ وما بعده»، المنظمة من قِبل مؤسسة BIAL، حين استفزّ الجمهور بسؤال مقلوب: ماذا لو كان الدماغ لا يُنتج الوعي، بل يكتفي بالتوسط فيه؟

كوك، الذي أمضى عقوداً يدرس الارتباطات العصبية للوعي، لا يطرح هذا السؤال من موقع التشكيك الفلسفي العابر. فهو يستند إلى حقيقة محرجة للعلم: حتى اليوم، لا تفسير ناجع ومقبول على نطاق واسع يُجيب عن كيفية أن النشاط الكهروكيميائي في الأعصاب يُوجد «شعوراً بكينونة» ما.

العلم أنجز الكثير في هذا الميدان: يستطيع رسم خريطة مناطق الدماغ المرتبطة بالبصر أو الذاكرة أو الألم. لكنه لم يُفسّر بعد لماذا يُصاحب هذا النشاط تجربةٌ من منظور الأول. رؤية اللون الأحمر شيء، والشعور بأن «هذا أحمر» شيء آخر.

يستحضر كوك ثلاثة مجالات يرى فيها علامات على محدودية الإطار المادي: أولها تجارب الاقتراب من الموت، حيث يُفيد أشخاص بتجارب ذاتية حية رغم توقف النشاط الدماغي ظاهرياً. وثانيها ظاهرة الوضوح الذهني الأخير، حين يستعيد بعض المرضى المصابين بالخرف المتقدم وضوحهم العقلي فجأةً قُبيل الوفاة بقليل، في ما يُحيّر الأطباء إذ لا تُفسّره الأنظمة الدماغية المتدهورة. وثالثها أسئلة الفيزياء الحديثة حول طبيعة الواقع وما إذا كان الوعي جزءاً من بنيته الأساسية.

يميل كوك نحو نظرية المعلومات المتكاملة التي تُقدّم مقياساً رياضياً للوعي استناداً إلى درجة تكامل المعلومات في أي منظومة. وما يجعل هذه النظرية مثيرة هو أنها تُتيح نظرياً قدراً من الوعي في أنظمة غير بيولوجية، وهو ما يتقاطع مع الشعورية الكونية كموقف فلسفي يرى الوعي صفةً منتشرة في الوجود لا حكراً على الكائنات الحية.

ما يُضفي على هذا الجدل ثقلاً عملياً هو ارتباطه المباشر بسؤال الوعي في المرضى غير المستجيبين. إن كان الوعي ممكناً دون نشاط خارجي ملاحظ، فهذا يدعو إلى إعادة النظر في كيفية التعامل مع مرضى الغيبوبة والحالات العصبية المعقدة، وهو ما يشغل كوك وفريقه بحثياً في تطوير أدوات لكشف الوعي الخفي.

على الصعيد العربي والإسلامي، يستعيد هذا النقاش جذوره في تراث فلسفي عريق؛ فابن سينا أسّس لمفهوم «الإنسان الطائر» في القرن الحادي عشر، وهو تجربة فكرية سبقت التأملات الغربية الحديثة في الوعي الذاتي. وتتقاطع نظرية المعلومات المتكاملة اليوم مع تساؤلات المجمع الفقهي الإسلامي بشأن تحديد لحظة الوفاة الدماغية ومعايير الوعي في المرضى غير المستجيبين، وهي تساؤلات ذات تبعات قانونية وأخلاقية وطبية مباشرة في المستشفيات العربية.

الجدل لن يُحسم قريباً، لكن ما يُقدمه كوك هو شيء نادر في علم يُفضّل اليقين: دعوة صريحة لمواجهة حدود الإطار المادي بدلاً من التعايش الصامت معها. وفي حقبة يتصاعد فيها النقاش حول وعي الذكاء الاصطناعي وإمكانية التجربة الذاتية في الآلات، تغدو هذه الأسئلة ذات رهانات أبعد مما كانت في أي وقت مضى.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

زوجان في منتصف العمر يمارسان الركض الخفيف برفقة رمزية ساعة ولولب للحمض النووي

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر

أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.

MIT Technology Review
سمكة قرش سوداء الزعنفة تسبح في مياه ضحلة وصافية قبالة سواحل فلوريدا

دراسة ميدانية تكشف كيف تسمع أسماك القرش وتحدد مصدر الصوت من 74 متراً

أجرى باحثون أمريكيون أول دراسة ميدانية كمّية لسمع أسماك القرش الحرة في المحيط، وتبيّن أن أسماك القرش السوداء الزعنفة تكشف الأصوات منخفضة التردد من مسافة تصل إلى 74 متراً وتحدد اتجاهها بدقة.

ScienceDaily
تصور فني لذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية في حقل ليزر متضمّن

فيزيائيون في كالتك يرصدون سلّماً طاقياً كمومياً تنبأت به نظرية قبل 40 عاماً

تمكّن فيزيائيون في معهد كالتك من قياس أنماط طاقة كمومية تنبأت بها نظرية الحقل المطابق منذ أربعة عقود، باستخدام ذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية، في تأكيد تجريبي دقيق لنظرية رياضية طويلة الأمد.

ScienceDaily
رسم توضيحي لتراكم لويحات الكوليسترول داخل وعاء دموي متصلب

دراسة ضخمة: واحد من كل 13 شاباً يحمل تصلب شرايين صامتاً دون أن يعلم

كشفت دراسة REACT التي شملت أكثر من 16800 شخص سليم ظاهرياً أن تصلب الشرايين يبدأ في سن مبكرة أكثر من المتوقع، حيث يحمله واحد من كل 13 شاباً بين 18 و29 عاماً دون أي أعراض.

ScienceDaily
تصور فني لنجم مغناطيسي وحقله المغناطيسي القوي

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد

فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

ScienceDaily
تصور فني لبتات كمومية متشابكة في نظام حوسبة كمومية

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة

باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

ScienceDaily