حفريات عمرها 1.7 مليار سنة تكشف دور الأكسجين الحاسم في ظهور الحياة المعقدة
بتحليل 12 ألف حفرية ميكروسكوبية من طبقات أستراليا القديمة نُشر في دورية Nature، أكد علماء أن حقيقيات النواة الأولى لم تتطور إلا في بيئات الأكسجين الغنية، في أقوى دليل تجريبي على صلة الأكسجين بنشأة الحياة المعقدة.

في عمق طبقات رسوبية حمراء من إقليم الأراضي الشمالية الأسترالية، على بُعد مليار سنة ونيف من عصرنا، تكمن إجابة لسؤال شغل العلماء عقوداً: لماذا استغرق الأمر من الحياة أكثر من ثلاثة مليارات سنة لتنتج أول خلية معقدة؟
ثمانية عشر متراً من لبّ صخري يُحفر من تلك الطبقات، تذاب في مختبر، وتُفرز تحت المجهر 12,000 حفرية ميكروسكوبية. هذا ما فعله فريق الباحثين بقيادة ماكسويل ليشتي وليغ آن ريدمان، ونشروا نتائجهم في دورية Nature في سبتمبر 2026.
النتيجة كانت حاسمة: حقيقيات النواة، وهي الكائنات التي تمتلك خلايا ذات نواة حقيقية وتُعدّ السلف المشترك لكل النباتات والحيوانات والفطريات والبشر، لم تُعثر عليها إلا في طبقات ترسّبت في بيئات غنية بالأكسجين. أما البيئات الفقيرة بالأكسجين فلم تحتوِ إلا على بكتيريا بدائية من بدائيات النواة.
التفسير البيولوجي مقنع: حقيقيات النواة تعتمد في توليد طاقتها على التنفس الهوائي داخل عضيّات متخصصة تُسمى الميتوكوندريا. وهذه العضيّات لم تُولد إلا من خلال اندماج تكافلي قديم بين نوعين من البكتيريا. وبدون الأكسجين، لا ميتوكوندريا، ولا خلية معقدة، ولا حياة معقدة من أي نوع.
ما يجعل هذه الدراسة مختلفة عن سابقاتها أنها لا تكتفي بالنظرية؛ فقد درس الفريق الكيمياء الفعلية للرواسب لتحديد مستويات الأكسجين في كل طبقة، ثم بحث عن الحفريات بشكل منفصل، وربط النتائج إحصائياً. هذا النهج يُتيح تمييزاً دقيقاً لم يكن ممكناً في الدراسات القديمة.
تُعيد هذه النتائج رسم خارطة فهمنا لسبب الغياب الطويل للحياة المعقدة رغم وجود الحياة ذاتها لمليارات السنين: كانت الأرض ببساطة فقيرة جداً بالأكسجين لتُتيح للحياة أن تتعقّد. وحين ارتفعت مستوياته تدريجياً عبر الملايين السنين، انفجرت التنوعية الحيوية وانطلق مسار تطور الحياة المعقدة.
يُضيف هذا البحث زخماً علمياً لمسيرة استكشاف الفضاء العربية؛ فمسبار المريخ الإماراتي (أمل) قدّم بيانات قيّمة عن الغلاف الجوي للكوكب الأحمر، بما فيها ملامح توزيع الأكسجين الشحيح. وإذا كانت الحياة المعقدة مرهونةً بوفرة الأكسجين كما تُثبت هذه الدراسة، فإن الاكتشافات الإماراتية تُسهم في الإجابة على تساؤل وجود الحياة في الكون. هذه الصلة بين أقدم الحفريات الأرضية وأحدث مهمات الاستكشاف الفضائي العربية تُجسّد قيمة الاستثمار في العلوم الكونية التي تنهجها الإمارات ومعها برامج فضاء عربية ناشئة في السعودية والمغرب.
هذا الفهم له تداعيات على بحث الحياة في الكون: البحث عن كوكب يحتوي على أكسجين ليس مجرد مؤشر على وجود حياة متقدمة، بل ربما شرط أساسي لوجودها أصلاً. فالكوكب الذي يُضيء خضرةً في مطياف الضوء يحمل وعداً بأكثر من بكتيريا بدائية.
المزيد من علوم

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد
فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة
باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟
أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

بيرسيفيرانس يكشف تاريخاً مائياً معقداً داخل فوهة جيزيرو المريخية
كشفت مركبة بيرسيفيرانس عن ثلاث مراحل متعاقبة من تفاعل الماء مع صخور فوهة جيزيرو على المريخ، من مياه جوفية إلى موائع حرارية ساخنة، في مؤشر على تاريخ مناخي معقد وبيئة قديمة قد تكون صالحة للحياة الميكروبية.

موجات الحر البحرية تُخفي شهوراً إضافية من الاحترار لا ترصدها القياسات التقليدية
دراسة أمريكية جديدة تكشف أن قياسات موجات الحر البحرية التقليدية تقلل التعرض الحراري الفعلي للكائنات البحرية بأكثر من 150%، إذ تتجاهل فترات احترار ممتدة تسبق الموجة وتليها.

علماء يابانيون يحلّون لغزاً كمومياً عمره 25 عاماً في قياس حالة W المتشابكة
فريق من جامعتي كيوتو وهيروشيما يطور طريقة جديدة لرصد حالة W الكمومية متعددة الفوتونات دفعة واحدة، في إنجاز قد يسرّع تطور الإرسال الكمي والحوسبة الكمومية.