دواء فموي تجريبي يمنع انتقال الحصبة عبر الهواء في نماذج حيوانية
باحثو جامعة جورجيا ستيت يُثبتون فاعلية مركب GHP-88310 في منع انتقال فيروس شبيه بالحصبة عبر التلامس المباشر والهواء، وسط تفشيات متجددة تضرب أمريكا الشمالية.

أعلن باحثون من جامعة جورجيا ستيت الأمريكية عن نتائج واعدة تتعلق بدواء تجريبي يُؤخذ عن طريق الفم، أثبت في التجارب المختبرية قدرته على الحد من انتقال مرض شبيه بالحصبة بين الحيوانات عبر التلامس المباشر والهواء على حدٍّ سواء. وتأتي هذه النتائج في وقت تشهد فيه عدة دول في أمريكا الشمالية موجات تفشٍّ متجددة لهذا المرض الذي كان في طريقه إلى الاستئصال. نُشر البحث في مجلة Nature Microbiology.
أجرى الدراسة فريق من مركز البحوث الترجمية للأدوية المضادة للفيروسات (CTAR) في جامعة جورجيا ستيت، وتمحور عمله حول فيروس سرطان الكلاب، الذي يُحدث مرضاً في حيوانات الغرير يحاكي مرض الحصبة البشرية محاكاةً دقيقة من حيث آلية الانتقال ومسار المرض وطريقة استجابة الجهاز المناعي. ويجعل هذا التشابه من الغرير نموذجاً حيوانياً قيّماً لدراسة مرض الحصبة واختبار العلاجات المحتملة.
اختبر الفريق مركباً دوائياً تجريبياً يحمل الاسم GHP-88310، وهو مضاد فيروسي واسع الطيف يعمل على تثبيط بوليميراز الفيروس — الإنزيم الجوهري الذي يحتاجه الفيروس لإعادة إنتاج نسخ من نفسه والتكاثر داخل جسم المضيف. وبتعطيل هذا الإنزيم الحيوي، يحول الدواء دون تضاعف الفيروس واستمرار العدوى.
وتجلّى الجانب الأكثر إثارة في الدراسة حين استُخدم الدواء وقائياً، أي قبل التعرض للفيروس أو مباشرةً بعده. في هذا الوضع الوقائي، نجح GHP-88310 في منع انتقال العدوى بصورة كاملة، سواء عبر التلامس المباشر بين الحيوانات أو عبر مشاركة الهواء دون تماس جسدي. وهذا الأخير — أي منع الانتقال الهوائي — يُعدّ إنجازاً استثنائياً في ميدان مثبطات بوليميراز الفيروسات، إذ لم يُسبق توثيقه لهذه الفئة من الأدوية من قبل.
وقد صمّم الباحثون ظروف التجربة بعناية لمحاكاة سيناريوهات الانتقال الواقعية بين البشر. فأنشؤوا نظاماً محكوماً يُمكّن من دراسة التعرض المباشر — كما يحدث بين أفراد الأسرة في المنزل الواحد — ودراسة الانتقال عبر المسافات الأبعد، كما يجري في الفصول الدراسية والمرافق العامة المغلقة. يشرح ريتشارد بليمبر، المؤلف الأول للدراسة ومدير مركز CTAR، قائلاً: "صمّمنا الدراسة لتحاكي انتشار الفيروس بين الناس عبر التلامس المباشر، كما يحدث في المنزل، وبين الاتصالات الاجتماعية الأبعد، كما في الفصول الدراسية."
وإلى جانب الأثر الوقائي، أثبت الدواء فاعليته أيضاً في التخفيف من حدة الأعراض حين أُعطي لحيوانات كانت قد أُصيبت بالعدوى فعلاً. ففي الحالات العلاجية، قلّص GHP-88310 المدة التي ظل فيها الحيوان المريض قادراً على نقل العدوى للآخرين، مما يعني إمكانية تقليص فترات العزل الصحي الإلزامي وتخفيف الأعباء الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عليها.
قالت كارولين ليبر، الباحثة الأولى في الدراسة: "كنا متحمسين جداً حين رأينا أن GHP-88310 الذي يُعطى عن طريق الفم منع تماماً انتقال العدوى عبر الهواء في نموذجنا الحيواني. هذه النتيجة غير مسبوقة بالنسبة لمثبطات بوليميراز الفيروس، وتُبرهن على الفاعلية المضادة الاستثنائية لهذا المركب." أما بليمبر فيُضيف: "إسكات تفشيات الحصبة بسرعة أمر ضروري لاستعادة السيطرة على الفيروس. هذه الدراسة تُثبت أن الدواء مناسب لتعزيز حملات التطعيم الحلقي التقليدية ضد الحصبة."
وتكتسب هذه النتائج أهمية بالغة في ضوء الوضع الوبائي الراهن في أمريكا الشمالية. فمنذ عام 2025، شهدت الولايات المتحدة عودة ظهور الحصبة بصورة لافتة، مع تسجيل آلاف الإصابات في ولايات عدة، ومئات حالات الاستشفاء، وثلاث وفيات مؤكدة. ولم تقتصر التداعيات على الحدود الأمريكية، بل شملت كندا والمكسيك اللتين تشهدان هي الأخرى تفشيات واسعة أسفرت عن وفيات متعددة، مما أثار قلقاً جدياً حول إمكانية الحفاظ على وضع القضاء على المرض في القارة الذي أُعلن عنه قبل سنوات.
وتحمل هذه الأبحاث أهمية خاصة للمنطقة العربية، التي تشهد بؤرٌ فيها تفشياتٍ دورية للحصبة مرتبطة بتراجع معدلات التطعيم جراء النزاعات المسلحة والهشاشة الصحية. ففي اليمن وسوريا والعراق، حالت ظروف الحروب دون اكتمال حملات التحصين الجماعية، مما أبقى ملايين الأطفال عرضةً للعدوى. ومضاد فيروسي وقائي فموي فعّال كـGHP-88310 سيكون ذا قيمة استراتيجية بالغة في الاستجابة السريعة لحالات التفشي في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية وضعف التغطية التطعيمية، لا سيما حين لا تسمح ظروف الميدان بالاعتماد على سلاسل التبريد اللازمة للقاحات.
لا يزال الدواء في طور التجريب على الحيوانات، غير أن نتائجه المبكرة تُشير إلى أنه قد يُشكّل إضافة قيّمة إلى ترسانة أدوات مكافحة الحصبة، لا بديلاً عن التطعيم بل مكملاً له، لا سيما في حالات التفشي السريع حيث لا يتسع الوقت للوصول إلى جميع المخالطين وتحصينهم. ويستعد الفريق البحثي حالياً للانتقال بالمركب GHP-88310 إلى مرحلة التجارب السريرية الرسمية على البشر، في خطوة ستحدد ما إذا كانت هذه النتائج الواعدة ستتحول إلى علاج فعلي بيد المرضى وأجهزة الصحة العامة.
المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر
أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.

دراسة ضخمة: واحد من كل 13 شاباً يحمل تصلب شرايين صامتاً دون أن يعلم
كشفت دراسة REACT التي شملت أكثر من 16800 شخص سليم ظاهرياً أن تصلب الشرايين يبدأ في سن مبكرة أكثر من المتوقع، حيث يحمله واحد من كل 13 شاباً بين 18 و29 عاماً دون أي أعراض.

إيبك توقف تطوير منتجاتها مؤقتاً لإصلاح ثغرات تهدد بيانات 320 مليون مريض
أوقفت شركة إيبك، أكبر مزوّد لأنظمة السجلات الصحية الإلكترونية في أمريكا، تطوير منتجاتها ستة أسابيع لإصلاح ثغرات أمنية في نظام MyChart قد تسمح بالوصول إلى بيانات ملايين المرضى دون تسجيل أثر.

دراسة: اتباع حمية مايند بدقة قد يؤخر شيخوخة الدماغ عامين ونصف
دراسة طويلة الأمد على أكثر من 1600 شخص تربط التزام حمية مايند الغذائية بتباطؤ فقدان المادة الرمادية في الدماغ، مع دور خاص للتوت والدواجن في حماية صحة الدماغ مع التقدم في السن.

علماء يطورون نظام ذكاء اصطناعي يعيد بناء الصور من مسح الدماغ في ساعة واحدة
باحثون في معهد وايزمان يطورون مُفسِّراً دماغياً بالذكاء الاصطناعي يعيد بناء ما يراه الشخص من بيانات التصوير الوظيفي، ويخفض زمن المعايرة اللازم من 40 ساعة إلى ساعة واحدة فقط.

اكتشاف فيروس جديد ينقله القراد وراء أعراض غامضة لدى المصابين
حدد باحثون صينيون فيروساً جديداً ينقله القراد يُدعى ALTNV، وكشفوا أن العدوى المشتركة به مع فيروس آخر معروف ترفع معدل الوفيات إلى 18.4%، ما يستدعي تطوير أساليب تشخيصية أدق للتمييز بين الفيروسين.