دراسة: تراجع دوران الانقلاب الأطلسي لنحو عقدين وتداعياته المناخية الكونية
تُثبت دراسة جديدة تراجعاً ممنهجاً في قوة دوران الانقلاب الأطلسي على امتداد منطقة جغرافية واسعة خلال العقدين الماضيين، مما يُنبئ بتغييرات مناخية عميقة قد تطال مناطق واسعة من العالم.

كشفت دراسة جديدة قادها باحثون من مدرسة روزنستيل للعلوم البحرية والجوية والأرضية في جامعة ميامي أن دوران الانقلاب الأطلسي — المعروف اختصاراً بـ AMOC — يشهد تراجعاً ممنهجاً ومستمراً على مدى ما يقارب عقدين من الزمن، وذلك عبر منطقة جغرافية أوسع بكثير مما رصدت الدراسات السابقة.
يُشكّل دوران الانقلاب الأطلسي نظاماً من التيارات البحرية الضخمة التي تعمل كناقل حرارة عالمي: تحمل المياه الدافئة نحو الشمال بالقرب من السطح، وتعيد المياه الباردة الكثيفة جنوباً عبر الأعماق. وضمن هذا التعريف يُعدّ جزءاً أساسياً من الدوران الحراري الملحي العالمي الذي يُعيد توزيع الحرارة والملوحة بين محيطات الكرة الأرضية.
استعان الباحثون ببيانات مراقبة طويلة الأمد من أربع شبكات رصد بحري تمتد على الحافة الغربية للمحيط الأطلسي الشمالي، تستخدم أجهزة استشعار مثبّتة في قاع البحر تقيس الضغط ودرجة الحرارة والكثافة وسرعة التيارات على أعماق تتجاوز ألف متر. تمتد هذه الشبكات من المناطق الاستوائية حتى خطوط العرض الوسطى، نحو خط عرض 42.5 شمالاً.
أظهر التحليل نمطاً متسقاً عبر خطوط العرض المختلفة: تراجع واضح ومنتظم في مكوّن التيار الحدودي الغربي الذي يُشكّل إحدى الركائز الرئيسية لدوران الانقلاب الأطلسي. ويُعزّز هذا الانسجام الجغرافي قناعة الباحثين بأنهم يرصدون تحولاً حقيقياً في الدوران الأطلسي لا مجرد تقلبات محلية وقتية.
لدوران الانقلاب الأطلسي آثار بعيدة المدى على المناخ الأوروبي والأمريكي والأفريقي. فضعفه يعني انخفاض كميات الحرارة المنقولة نحو أوروبا، مما قد يُفضي إلى شتاءات أكثر قسوة في بعض المناطق، وتغيير في أنماط هطول الأمطار، وتصاعد في نشاط الأعاصير، وارتفاع في مناسيب البحار قبالة بعض السواحل. كما قد يُلقي ذلك بظلاله على الموسم المطري في أفريقيا الغربية ومناطق أخرى.
يشير شين إليبوت، أحد كبار مؤلفي الدراسة، إلى أن الأرصاد الغربية قد تُشكّل إنذارات مبكرة قيّمة: "هذا البحث يُساعد العلماء على التنبؤ بكيفية تغيّر المناخ في العقود القادمة، وهي معلومات تستخدمها الحكومات والشركات والمجتمعات للاستعداد للظروف البيئية المستقبلية".
يحمل تراجع دوران الانقلاب الأطلسي تداعيات مباشرة على المنطقة العربية، لا سيما المغرب الكبير ووادي النيل؛ فضعف هذا الدوران مرتبط بتحولات في منظومة الأمطار الموسمية الغربية التي تنعكس على هطولات المغرب وموريتانيا وتونس. كما أن أي تراجع في الإيرادات المطرية الإثيوبية يُهدد مخزون نهر النيل الحيوي لمصر والسودان في وقت يشهد نزاعاً مائياً متصاعداً حول سد النهضة. ويُعزّز ذلك الحاجة الملحّة لتطوير منظومات إنذار مبكر مناخية إقليمية متكاملة تحمي الأمن الغذائي والمائي للشعوب العربية.
تُقدّم هذه الدراسة بعضاً من أوضح الأدلة المباشرة على تراجع دوران الانقلاب الأطلسي حتى الآن، في حين كانت كثير من الدراسات السابقة تستند إلى بيانات وكيلة غير مباشرة كقراءات درجات حرارة المحيطات وطبقات الرواسب. ونُشرت الدراسة في مجلة Science Advances.
تنضاف هذه النتائج إلى جسم متنامٍ من الأدلة التي تُلحّ على ضرورة تصعيد جهود الرصد والمراقبة الطويلة الأمد للمحيطات، لا باعتبارها رفاهية علمية، بل بوصفها ضرورة استراتيجية لفهم ما ينتظر المناخ الأرضي في النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين.
المزيد من بيئة

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد
فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة
باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

فيرفو تنجز أول محطة جيوحرارية معززة في العالم خلال 23 شهراً فقط
شركة فيرفو إنرجي الأمريكية تربط أول محطة طاقة جيوحرارية معززة تجارياً بالشبكة الكهربائية قبل الموعد المحدد، في سابقة قد تعيد رسم خريطة الطاقة النظيفة لمراكز البيانات.

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟
أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

بيرسيفيرانس يكشف تاريخاً مائياً معقداً داخل فوهة جيزيرو المريخية
كشفت مركبة بيرسيفيرانس عن ثلاث مراحل متعاقبة من تفاعل الماء مع صخور فوهة جيزيرو على المريخ، من مياه جوفية إلى موائع حرارية ساخنة، في مؤشر على تاريخ مناخي معقد وبيئة قديمة قد تكون صالحة للحياة الميكروبية.

موجات الحر البحرية تُخفي شهوراً إضافية من الاحترار لا ترصدها القياسات التقليدية
دراسة أمريكية جديدة تكشف أن قياسات موجات الحر البحرية التقليدية تقلل التعرض الحراري الفعلي للكائنات البحرية بأكثر من 150%، إذ تتجاهل فترات احترار ممتدة تسبق الموجة وتليها.