بيرسيفيرانس يكشف تاريخاً مائياً معقداً داخل فوهة جيزيرو المريخية
كشفت مركبة بيرسيفيرانس عن ثلاث مراحل متعاقبة من تفاعل الماء مع صخور فوهة جيزيرو على المريخ، من مياه جوفية إلى موائع حرارية ساخنة، في مؤشر على تاريخ مناخي معقد وبيئة قديمة قد تكون صالحة للحياة الميكروبية.

كشفت بيانات جديدة من مركبة المريخ الجوّالة بيرسيفيرانس التابعة لوكالة ناسا عن تاريخ مائي أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً داخل فوهة جيزيرو على سطح المريخ، إذ عثر فريق المهمة على أدلة على ثلاث مراحل منفصلة تفاعل خلالها الماء مع الصخور في منطقة تُعرف باسم "الوحدة الهامشية"، شملت مياهاً جوفية غنية بثاني أكسيد الكربون، ومياهاً مرتبطة ببحيرة قديمة، وموائع حرارية مائية ساخنة تسرّبت لاحقاً عبر الصخور. وتفتح هذه النتائج، التي نُشرت في دورية Communications Earth & Environment عام 2026، نافذة جديدة على تطور المناخ المريخي القديم، وعلى إمكانات هذه المنطقة لاحتضان حياة ميكروبية في ماضي الكوكب الأحمر.
تُعد فوهة جيزيرو، التي تستكشفها بيرسيفيرانس منذ هبوطها على المريخ في فبراير 2021، موقعاً اختارته ناسا بعناية لأنها كانت على الأرجح مستقر بحيرة قديمة تغذيها دلتا نهرية، ما يجعلها من أفضل الأماكن المرشحة للبحث عن آثار حياة قديمة محتملة إن وُجدت. ومنذ سبتمبر 2023 تحديداً، ركّزت المركبة اهتمامها على ما يُعرف بـ"الوحدة الهامشية"، وهي شريط صخري يحيط بالحافة الداخلية للفوهة، ويُعد جزءاً من واحدة من أكبر مناطق انكشاف معادن الكربونات المعروفة على سطح المريخ، وهو ما جعلها هدفاً علمياً بالغ الأهمية منذ البداية.
وكان العلماء يتوقعون العثور في هذه المنطقة تحديداً على صخور رسوبية تشكلت تدريجياً على ضفاف البحيرة القديمة، نتيجة ترسب الطمي والرواسب عبر آلاف السنين. غير أن المفاجأة الكبرى كانت ظهور صخور نارية بدلاً من ذلك، أي صخور تكوّنت أصلاً من تبرّد الصهارة ببطء تحت سطح الكوكب أو من تصلّب مواد بركانية انصهرت وتدفقت فوقه، قبل أن يعيد الماء تشكيل جزء كبير منها لاحقاً في عدة مناسبات متباعدة زمنياً. وهذا التباين بين ما كان متوقعاً وما عُثر عليه فعلياً هو ما دفع الفريق البحثي إلى إعادة النظر في تسلسل الأحداث الجيولوجية التي مرّت بها المنطقة.
ولتحليل هذه الصخور، استعان فريق المهمة بجهاز "سوبركام" الليزري المثبت على ذراع بيرسيفيرانس، والذي حلّل تركيب أكثر من 185 هدفاً صخرياً من مسافة تصل إلى نحو 21 قدماً دون الحاجة إلى الاقتراب المباشر من كل عينة، عبر إطلاق نبضات ليزرية على سطح الصخر وقياس طيف الضوء المنعكس لتحديد تركيبها المعدني بدقة عالية. وغطت هذه القياسات شريحة ارتفاع تمتد نحو 870 قدماً داخل الوحدة الهامشية، وأظهرت نمطاً واضحاً: فالصخور الغنية بمعدن الأوليفين في المناطق المرتفعة شهدت تحولاً محدوداً بفعل الماء، في حين شهدت الصخور الواقعة في المناطق المنخفضة تحولاً أوسع بكثير، ما يشير إلى أن مستوى المياه ومدة تعرّض الصخور لها كانا عاملين حاسمين في مدى هذا التحول.
واستناداً إلى هذه البيانات، رصد الباحثون ثلاث مراحل متمايزة زمنياً من التفاعل بين الماء والصخر داخل الوحدة الهامشية. ففي المرحلة الأولى والأقدم، تفاعلت مياه جوفية غنية بثاني أكسيد الكربون مع معدن الأوليفين الموجود أصلاً في الصخور النارية، فنتج عن هذا التفاعل الكيميائي تشكّل معادن الكربونات داخل الشقوق الصخرية الدقيقة، خصوصاً في المناطق المنخفضة من التضاريس. أما المرحلة الثانية، فقد تكون مرتبطة باتصال مباشر مع مياه البحيرة القديمة التي كانت تملأ فوهة جيزيرو في وقت لاحق، وتشهد عليها رواسب من مادة السيليكا تركت بقايا من تحوّل الأوليفين إلى كربونات، وتتركز هذه الرواسب تحديداً تحت مستوى سطح الماء القديم المفترض. وفي المرحلة الثالثة والأخيرة، وربما الأحدث زمنياً، تسرّبت مياه جوفية ساخنة الحرارة عبر الصخور البركانية المتصدّعة، مكوّنةً عروقاً معدنية يبلغ سمكها نحو عشر بوصات، تحتوي على كبريتات الكالسيوم ومعدن الفلوريت، في مؤشر واضح على نشاط حراري مائي حدث بعد تصلّب الصخر الأصلي بفترة طويلة.
وتحمل هذه الاكتشافات دلالة مهمة بالنسبة لعلم الأحياء الفلكي، إذ إن تفاعل الماء مع معدن الأوليفين ينتج غاز الهيدروجين كمنتج ثانوي، وهو مصدر طاقة كيميائية تعتمد عليه بعض أنواع الميكروبات على الأرض في عيشها دون الحاجة إلى ضوء الشمس. كما أن المعادن الناتجة عن هذه التفاعلات المتعاقبة، كالكربونات والسيليكا، معروفة بقدرتها العالية على حفظ آثار النشاط الحيوي الدقيق لفترات زمنية طويلة جداً قد تمتد لمليارات السنين، ما يجعل الوحدة الهامشية موقعاً واعداً بشكل خاص للبحث مستقبلاً عن مؤشرات على حياة قديمة محتملة، سواء بالتحليل عن بُعد أو عبر عينات قد تُعاد يوماً ما إلى الأرض.
وقالت كانديس بدفورد، الباحثة الرئيسية في الدراسة: "المريخ يفاجئنا باستمرار... آمل أن يسهم هذا العمل في إعادة تشكيل الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى تاريخ الماء في فوهة جيزيرو، وفي المريخ عموماً." وتعكس هذه الكلمات حجم المراجعة العلمية التي فرضتها هذه الاكتشافات على الفهم السائد لتطور الفوهة، بعد أن كانت الفرضية الأساسية تقوم على مرحلة مائية واحدة مرتبطة بالبحيرة فقط.
يحمل هذا الاكتشاف بُعداً خاصاً للعالم العربي في ظل مسبار الأمل الإماراتي الذي نجح في دخول مدار المريخ عام 2021 وقدّم بيانات قيّمة عن غلافه الجوي، ويُهيّئ وكالة الفضاء الإماراتية لبعثات أكثر تعقيداً. وتُولي وكالة الفضاء السعودية والمهندسون الفضائيون العرب اهتماماً متزايداً بالجيولوجيا المريخية ضمن التخطيط لمهمات مستقبلية. وقد رصد باحثون عرب تشابهاً بين البيئات الصحراوية في شبه الجزيرة العربية والتضاريس المريخية، مما جعل تلك المناطق مواقع اختبار لمحاكاة بعض ظروف المريخ.
وتشير النتائج، التي شارك في إعدادها إلى جانب بدفورد كلٌّ من الباحثين رافانيس وفينز وزملائهما، إلى أن فوهة جيزيرو لم تشهد نظاماً مائياً واحداً مستقراً، بل أنظمة مائية متعددة ومتمايزة ظهرت في مراحل تطورية مختلفة من تاريخ المريخ المبكر، بعضها بارد ومرتبط بالمياه السطحية والجوفية العادية، وبعضها الآخر ساخن ومرتبط بنشاط حراري أعمق. ويعكس هذا التنوع، بحسب الباحثين، تغيرات مناخية وجيولوجية كبرى مرّ بها الكوكب الأحمر عبر ملايين السنين. وبهذا يضيف هذا البحث طبقة جديدة من التعقيد إلى فهم العلماء لتاريخ الماء على المريخ، ويؤكد أن الكوكب الذي بدا يوماً جافاً وقاحلاً بالكامل ربما شهد في ماضيه السحيق أنظمة بيئية رطبة ومتنوعة، ومراحل متعاقبة من الظروف الصالحة للحياة، أكثر مما كان العلماء يعتقدون سابقاً.
المزيد من علوم

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد
فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة
باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

جوجل تطلق أول شريحة تنسورية إلى الفضاء ضمن مشروع مراكز بيانات مدارية
جوجل تختبر تشغيل شريحة TPU على متن قمر صناعي في المدار المنخفض، في خطوة أولى ضمن رؤية طويلة الأمد لبناء مراكز بيانات تعمل بالطاقة الشمسية خارج الغلاف الجوي للأرض.

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟
أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

مهمة كرو-13: دراغون قد تحقق أسرع رحلة أمريكية إلى محطة الفضاء الدولية
تستعد ناسا وسبيس إكس لإطلاق مهمة كرو-13 بأربعة رواد دوليين، في رحلة قد تصل إلى محطة الفضاء الدولية خلال 7 ساعات و50 دقيقة فقط، وهي الأسرع لمركبة أمريكية مأهولة في تاريخ المحطة.

موجات الحر البحرية تُخفي شهوراً إضافية من الاحترار لا ترصدها القياسات التقليدية
دراسة أمريكية جديدة تكشف أن قياسات موجات الحر البحرية التقليدية تقلل التعرض الحراري الفعلي للكائنات البحرية بأكثر من 150%، إذ تتجاهل فترات احترار ممتدة تسبق الموجة وتليها.