بروتينات عمرها 160 مليون عام تتفوق على أدويتنا الحديثة في مواجهة البكتيريا
أعاد باحثون في جامعة أوريغون إحياء ببتيدات مضادة للميكروبات من ثدييات منقرضة عاشت قبل 160 مليون عام، ووجدوا أن بعض نسخها القديمة أكثر فعالية من نظيراتها البشرية الحديثة في قتل البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.
توصل فريق بحثي من جامعة أوريغون الأمريكية إلى نتيجة مثيرة للاهتمام في مجال مكافحة البكتيريا المقاومة للأدوية، بعدما أعاد "إحياء" ببتيدات مضادة للميكروبات تعود جذورها الجينية إلى أسلاف الثدييات المشيمية المشتركة التي عاشت قبل نحو 160 مليون عام، في أواخر العصر الجوراسي، ثم اختبر فعاليتها ضد سلالات بكتيرية حديثة معروفة بمقاومتها الشديدة للمضادات الحيوية التقليدية. ونُشرت الدراسة في 25 أغسطس الماضي في مجلة "بلوس بايولوجي" العلمية.
وركّز الباحثون في هذه الدراسة على بروتين اللاكتوفيرين، وهو بروتين مناعي طبيعي يوجد في سوائل جسدية متعددة، من بينها حليب الأم والدموع، ويحمل خصائص مضادة للميكروبات تُسهم في حماية الجسم من مسببات الأمراض. ويحتوي هذا البروتين على ببتيدات مضادة للميكروبات، وهي جزيئات بروتينية قصيرة تُنتجها الكائنات الحية كجزء من جهازها المناعي الفطري، وتعمل على تدمير الأغشية البكتيرية عبر إحداث ثقوب فيها تؤدي في النهاية إلى تمزق الخلية البكتيرية بالكامل وموتها.
ولإعادة بناء النسخ القديمة من هذا البروتين، استخدم الفريق العلمي أسلوبًا يُعرف باسم إعادة بناء التسلسل السلفي، ويقوم على مقارنة التسلسلات الجينية الحالية لكائنات حية معاصرة، كالإنسان والأبقار، لاستنتاج التسلسل الجيني المحتمل الذي كان موجودًا لدى سلفها المشترك المنقرض قبل ملايين السنين. وبعد استنتاج هذه التسلسلات القديمة رياضيًا وحاسوبيًا، عمد الباحثون إلى تصنيعها فعليًا في المختبر واختبار فعاليتها ضد بكتيريا حديثة معروفة بمقاومتها الشديدة للعلاج.
وكانت المفاجأة أن بعض النسخ القديمة من هذه الببتيدات أظهرت فعالية أكبر في قتل البكتيريا المقاومة مقارنة بالنسخة البشرية الحديثة من البروتين نفسه، وذلك في بعض الحالات نتيجة طفرة واحدة فقط في حمض أميني واحد أدت إلى تحسّن ملحوظ في الفعالية المضادة للميكروبات. وهذا يشير إلى أن مسار التطور لم يكن بالضرورة خطيًا تصاعديًا نحو الأفضل دائمًا فيما يتعلق بهذه الخاصية المناعية المحددة، بل تضمن تقلبات واختلافات يمكن الاستفادة منها اليوم.
وعلّق الباحث الرئيسي في الدراسة، مات باربر، على هذه النتائج بقوله: "التطور هو في جوهره تجربة علمية عمرها مليارات السنين، أليس كذلك؟ فنحن هنا نرى نتائج ما نجح وما لم ينجح" عبر تلك الحقبة الزمنية الطويلة من التاريخ التطوري للثدييات.
وتكتسب هذه النتائج أهمية بالغة في ظل تصاعد أزمة مقاومة المضادات الحيوية عالميًا، وهي ظاهرة تتمثل في قدرة البكتيريا على تحمل تأثير المضادات الحيوية والاستمرار في التكاثر رغم التعرض لها، ما يجعلها أحد أخطر التهديدات الصحية العالمية في الوقت الراهن وفق تصنيف منظمة الصحة العالمية. ويرى الباحثون أن فهم كيفية تطور آليات الدفاع المناعي الطبيعية عبر ملايين السنين قد يوجه تصميم علاجات مستقبلية تعمل بآليات مختلفة تمامًا عن المضادات الحيوية التقليدية، وبالتالي قد تتجاوز آليات المقاومة التي طورتها البكتيريا ضد الأدوية الحالية.
وتكتسب هذه الأبحاث أهمية استثنائية للعالم العربي الذي يُسجّل بعض أعلى معدلات مقاومة المضادات الحيوية عالمياً وفق دراسات منظمة الصحة العالمية؛ إذ يُحرك الاستهلاك المفرط وغير المنظم لهذه الأدوية في دول كمصر والسعودية والمغرب تنامي سلالات بكتيرية شديدة المقاومة كالمكورات العنقودية المقاومة للميثيسيلين (MRSA). ويمثّل مسار الببتيدات القديمة خطاً بحثياً جديراً بالاستثمار من قِبَل صناعة الأدوية الناشئة في الخليج، خاصة مع اتجاه المملكة العربية السعودية نحو بناء منظومة دوائية وطنية ضمن رؤية 2030 تُقلص الاعتماد على الاستيراد.
ويخطط الفريق العلمي لتوسيع بحثه ليشمل بروتينات مناعية أخرى من سلالات حيوانية منقرضة مختلفة، على أمل اكتشاف مزيد من الجزيئات الواعدة التي يمكن أن تشكّل الأساس لجيل جديد من الأدوية المضادة للبكتيريا، في وقت باتت فيه صناعة الأدوية التقليدية تواجه صعوبة متزايدة في تطوير مضادات حيوية جديدة فعالة بالوتيرة اللازمة لمواكبة تسارع ظهور سلالات بكتيرية مقاومة.
المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد
فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة
باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟
أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

بيرسيفيرانس يكشف تاريخاً مائياً معقداً داخل فوهة جيزيرو المريخية
كشفت مركبة بيرسيفيرانس عن ثلاث مراحل متعاقبة من تفاعل الماء مع صخور فوهة جيزيرو على المريخ، من مياه جوفية إلى موائع حرارية ساخنة، في مؤشر على تاريخ مناخي معقد وبيئة قديمة قد تكون صالحة للحياة الميكروبية.

موجات الحر البحرية تُخفي شهوراً إضافية من الاحترار لا ترصدها القياسات التقليدية
دراسة أمريكية جديدة تكشف أن قياسات موجات الحر البحرية التقليدية تقلل التعرض الحراري الفعلي للكائنات البحرية بأكثر من 150%، إذ تتجاهل فترات احترار ممتدة تسبق الموجة وتليها.

علماء يابانيون يحلّون لغزاً كمومياً عمره 25 عاماً في قياس حالة W المتشابكة
فريق من جامعتي كيوتو وهيروشيما يطور طريقة جديدة لرصد حالة W الكمومية متعددة الفوتونات دفعة واحدة، في إنجاز قد يسرّع تطور الإرسال الكمي والحوسبة الكمومية.