أوروبا أمام قرار تاريخي: هل تبني قدرتها الخاصة لإطلاق روادها إلى الفضاء؟

يلتقي وزراء أوروبيون في روما ديسمبر المقبل لحسم قرار بناء منظومة كاملة لنقل رواد الفضاء الأوروبيين، ضمن دفعة أوسع يقودها مدير وكالة الفضاء الأوروبية لتعزيز استقلالية القارة في الفضاء.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦
المصدر
SpaceNews ↗
القراءات
٠
الوقت
قراءة 3 دقائق
صاروخ أريان 6 التابع لوكالة الفضاء الأوروبية

يتوجه وزراء الدول الأعضاء في وكالة الفضاء الأوروبية إلى روما في الخامس عشر من ديسمبر المقبل لاتخاذ ما وصفه مدير عام الوكالة، جوزيف أشباخر، بأنه قرار "تاريخي" فعلاً إذا تمت الموافقة عليه: بناء منظومة أوروبية كاملة ومستقلة لنقل رواد الفضاء، تشمل الصواريخ ومركبات الطاقم وأنظمة إجهاض الإطلاق والعمليات المدارية ومنشآت استعادة الطاقم بعد الهبوط.

ويأتي هذا الاستحقاق في سياق أوسع تحدث عنه أشباخر خلال مقابلة مع موقع SpaceNews على هامش أسبوع الأعمال الفضائية العالمي الذي استضافته باريس منتصف سبتمبر الجاري، إذ شدد على ضرورة "رفع مستوى استقلالية أوروبا في الفضاء، خصوصاً في مجال الاستكشاف، وإن لم يقتصر الأمر على الاستكشاف فحسب، بل يشمل قطاع الفضاء عموماً". ويعكس هذا الطرح توجهاً أوروبياً متنامياً نحو تعزيز السيادة التقنية في مجالات استراتيجية متعددة، وليس الفضاء وحده.

وتشير التقديرات التي كشف عنها أشباخر إلى أن بناء هذه القدرة الذاتية سيكلف أوروبا نحو مليار يورو سنوياً على مدى عقد كامل، في مقابل نحو خمسة مليارات يورو خلال الفترة نفسها إذا استمرت القارة في الاعتماد على شراء مقاعد لرواد فضائها على متن مركبات دول أخرى. ومن المهم التوضيح أن اجتماع ديسمبر لا يمثل جلسة إقرار ميزانية فعلية، بل قراراً سياسياً بالمبدأ، على أن تُحسم الالتزامات المالية الفعلية لاحقاً عبر آلية الاشتراكات المعتادة لدى الوكالة، وتحديداً خلال المؤتمر الوزاري المقبل عام 2028. وتجدر الإشارة إلى أن الوكالة كانت قد أقرت بالفعل التزامات بقيمة 22.1 مليار يورو خلال مؤتمرها الوزاري في مدينة بريمن الألمانية في نوفمبر 2025، وهو أكبر التزام مالي في تاريخها.

ولا تسير هذه الطموحات في فراغ، إذ تسير بالتوازي معها عدة برامج داعمة بدأت بالفعل. ففي سبتمبر الجاري، منحت الوكالة عقداً بقيمة 760 مليون يورو لشركة The Exploration Company لتطوير كبسولتها "نيكس" ضمن برنامج يحمل اسم ALADDIN، على أن يصل موعد إثبات قدرة الكبسولة على الالتحام بمحطة الفضاء الدولية بحلول الربع الثاني من عام 2029. كما حصلت شركات صواريخ ناشئة أوروبية، هي Isar Aerospace وRocket Factory Augsburg وPLD Space، على عقود ضمن برنامج تحدي الإطلاق الأوروبي بقيمة إجمالية بلغت 543.6 مليون يورو في أغسطس الماضي، إلى جانب دراسة تعريفية بقيمة مليون يورو لنظام إجهاض الإطلاق بدأت في أبريل.

وحرص أشباخر على التأكيد بأن هذا التوجه لا يهدف إلى عزل أوروبا عن شركائها الدوليين، بل إلى تمكينها من أن تكون "شريكاً جيداً جداً" مع الولايات المتحدة واليابان والإمارات وأستراليا وكوريا الجنوبية، في إشارة إلى أن بناء القدرات الذاتية لا يتعارض بالضرورة مع التعاون الدولي القائم، بل قد يعزز موقع أوروبا التفاوضي داخل هذه الشراكات.

وتندرج هذه الخطوات ضمن رؤية أشمل تشمل تأمين وصول أوروبا إلى المدار الأرضي المنخفض بعد المرحلة النهائية لمحطة الفضاء الدولية، وتعزيز حضورها على سطح القمر، والتمهيد لمشاركة مستقبلية في مهمات استكشاف كوكب المريخ. وقد استغل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قمة باريس للإعلان عن جدول زمني طموح يشمل وصول كبسولة شحن أوروبية إلى محطة الفضاء الدولية خلال عامين، ومركبة هبوط قمرية أوروبية خلال خمس سنوات، وكبسولة مأهولة أوروبية تنطلق من قاعدة كورو في غويانا الفرنسية خلال عقد من الزمن.

ولا يبدو هذا النقاش بعيداً عن الرهانات العربية، إذ تقف كلٌّ من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أمام خيارات استراتيجية مماثلة في بناء القدرات الفضائية. فقد أعلنت الإمارات عن خطة لتطوير صاروخ حامل إماراتي بحلول 2030 عقب نجاح مسبار المريخ "أمل"، بينما تضخ المملكة مليارات الريالات عبر الشركة السعودية للفضاء لبناء بنية تحتية فضائية وطنية ضمن رؤية 2030. ويطرح التجربةَ الأوروبية نموذجاً دراسياً قيّماً لصانعي القرار الخليجيين في الموازنة بين تكاليف الاستقلالية وتكاليف الاعتماد على الغير.

وتكتسب هذه النقاشات أهمية تتجاوز حدود أوروبا، إذ تعكس نمطاً عالمياً متصاعداً تسعى فيه تكتلات إقليمية كبرى إلى تقليل اعتمادها على قوى فضائية مهيمنة تاريخياً كالولايات المتحدة وروسيا، لصالح بناء قدرات ذاتية تضمن استمرارية الوصول إلى الفضاء دون شروط سياسية أو تجارية خارجية، وهو نقاش قد يجد صدى متزايداً مستقبلاً لدى برامج الفضاء الناشئة في المنطقة العربية التي تسعى بدورها إلى تطوير قدرات إطلاق ورصد فضائي أكثر استقلالية.

المصدر الأصلي
SpaceNews
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من فضاء

تصور فني لنجم مغناطيسي وحقله المغناطيسي القوي

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد

فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

ScienceDaily
قمر صناعي تجريبي يحمل شريحة معالجة تنسورية من جوجل قبل إطلاقه إلى الفضاء

جوجل تطلق أول شريحة تنسورية إلى الفضاء ضمن مشروع مراكز بيانات مدارية

جوجل تختبر تشغيل شريحة TPU على متن قمر صناعي في المدار المنخفض، في خطوة أولى ضمن رؤية طويلة الأمد لبناء مراكز بيانات تعمل بالطاقة الشمسية خارج الغلاف الجوي للأرض.

TechCrunch
صورة بانورامية ملتقطة بكاميرا مركبة بيرسيفيرانس لفوهة جيزيرو على المريخ

بيرسيفيرانس يكشف تاريخاً مائياً معقداً داخل فوهة جيزيرو المريخية

كشفت مركبة بيرسيفيرانس عن ثلاث مراحل متعاقبة من تفاعل الماء مع صخور فوهة جيزيرو على المريخ، من مياه جوفية إلى موائع حرارية ساخنة، في مؤشر على تاريخ مناخي معقد وبيئة قديمة قد تكون صالحة للحياة الميكروبية.

ScienceDaily
طاقم مهمة كرو-13 داخل نموذج مركبة دراغون خلال التدريب قبل الإطلاق

مهمة كرو-13: دراغون قد تحقق أسرع رحلة أمريكية إلى محطة الفضاء الدولية

تستعد ناسا وسبيس إكس لإطلاق مهمة كرو-13 بأربعة رواد دوليين، في رحلة قد تصل إلى محطة الفضاء الدولية خلال 7 ساعات و50 دقيقة فقط، وهي الأسرع لمركبة أمريكية مأهولة في تاريخ المحطة.

ScienceDaily
تصور فني لمركبة CosmoCube الفضائية الصغيرة

مركبة بحجم حقيبة سفر قد تسمع صدى الكون قبل ولادة أولى النجوم

تستعد جامعة كامبريدج لإطلاق مركبة CosmoCube الصغيرة خلف القمر لرصد إشارة الهيدروجين القادمة من العصور المظلمة الكونية، في مهمة قد تكشف كيف تشكّلت أولى النجوم والمجرات بمساعدة المادة المظلمة.

ScienceDaily
نافورات جليدية تنبعث من القطب الجنوبي لقمر زحل إنسيلادوس

لماذا تُخرج نافورات قمر إنسيلادوس الجليدية أسراراً كيميائية غير متوقعة

كشفت تجارب مخبرية أن سرعة تجميد قطرات محيط إنسيلادوس تفصل أملاحه كيميائياً بشكل طبيعي، ما يسهّل على المركبات الفضائية المستقبلية كشف مؤشرات الحياة المحتملة في هذا القمر الجليدي.

ScienceDaily