أول خريطة كاملة للشبكة العصبية لذبابة الفاكهة تكشف عن نظام تحكم موزع
أنجز علماء هارفارد وبرينستون أول كونيكتوم شامل للجهاز العصبي لذبابة الفاكهة البالغة ويضم 160 ألف خلية عصبية، وكشف المشروع أن التحكم الحركي يجري محلياً في دوائر موزعة لا من مركز قيادي واحد.

في إنجاز علمي استغرق سنوات من العمل المُضني، أعلن فريق من علماء جامعة هارفارد وجامعة برينستون عن إتمام أول خريطة كاملة لجميع الاتصالات العصبية في الجهاز العصبي لذبابة فاكهة بالغة، شاملاً الدماغ والحبل العصبي معاً. ولا تكتفي هذه الخريطة، التي تُعرف علمياً بالكونيكتوم، بتوثيق ما هو موجود، بل تُقلب فهماً راسخاً في علم الأعصاب رأساً على عقب.
رصدت الخريطة نحو 160 ألف خلية عصبية وملايين المشابك العصبية التي تربطها وتُنظّم تواصلها. وللوصول إلى هذه الدقة الاستثنائية، قطع الباحثون جسم الذبابة إلى آلاف الشرائح الرقيقة، ثم التقطوا لها ملايين الصور عبر المجهر الإلكتروني، قبل أن يوظّفوا أدوات الذكاء الاصطناعي لمحاذاة الصور وتجميعها في خريطة ثلاثية الأبعاد متماسكة ربطت الدوائر العصبية بالأطراف والأعضاء الحسية. وقد جُعلت قاعدة البيانات الكاملة متاحة مجاناً للباحثين حول العالم عبر موقع codex.flywire.ai.
وتتجاوز أهمية هذا الإنجاز حدود علم الأعصاب لتطرح تساؤلات جوهرية أمام مصممي الذكاء الاصطناعي. فالشبكات العصبية الاصطناعية مستوحاة في أصلها من الفهم البشري للأدمغة البيولوجية، وإن كانت هذه الاستلهامات مُبسَّطة في أغلب الأحيان. غير أن الكونيكتوم الجديد يُقدّم وصفاً أعمق وأكثر تفصيلاً لكيفية عمل شبكة بيولوجية حقيقية، وهو ما قد يُلهم معماريات حسابية جديدة تُولي الأهمية للمعالجة الموزعة المحلية بدلاً من التمركز الهرمي الذي يسود كثيراً من النماذج الراهنة.
والمفاجأة الكبرى التي جاء بها المشروع تتعلق بكيفية تنظيم الحركة: كشفت الخريطة أن التحكم في حركة الأطراف لا يصدر من مركز قيادة واحد في الدماغ، بل يجري بصورة رئيسية محلياً عبر الدوائر العصبية الخاصة بكل طرف.
يُبدّل هذا الاكتشاف النموذج الكلاسيكي الذي كان يُصوّر الدماغ بوصفه المُخطِّط الرئيسي الذي يُصدر الأوامر إلى بقية الجسم، ليُحلّ محله تصوّر أكثر تعقيداً: الجهاز العصبي شبكة موزعة من الدوائر المحلية المتخصصة التي تتعاون وتتنسق ضمن سياق الموقف والحاجة.
ونُشر البحث في دورية Nature الدولية في الثامن من يونيو 2026، ويُتيح أول إطلالة شاملة على عمل الجهاز العصبي في كائن حي بالغ التعقيد الإحيائي رغم صغر حجمه الظاهر. ورغم الهوّة التطورية الشاسعة بين ذبابة الفاكهة والإنسان، يرى علماء الأعصاب أن مبادئ التنظيم العصبي قد تُعبر الأنواع الحية.
تكتسب هذه النتائج أهمية بالغة للباحثين العرب العاملين في مجالي الذكاء الاصطناعي وعلوم الأعصاب؛ فجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في المملكة العربية السعودية، ومعهد محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI) في أبوظبي، يُوليان اهتماماً متنامياً للذكاء الاصطناعي المستلهَم من الأنظمة البيولوجية. وإن كان الكونيكتوم الجديد يُقدّم نموذجاً حقيقياً لشبكة عصبية بيولوجية فعّالة، فإنه يمنح مراكز الأبحاث العربية فرصة للمساهمة في بناء معماريات ذكاء اصطناعي أكثر كفاءةً وأقل استهلاكاً للطاقة، مما يُلائم أهداف الاستدامة الرقمية المنصوص عليها في خطط التنويع الاقتصادي الإقليمية.
وما بدأ كمشروع لرسم خريطة دماغ حشرة صغيرة يتحول إلى مرجع علمي أساسي يُخصّب فهمنا للتعلم والذاكرة والحركة، ويُرسي معرفة أكثر نضجاً بالمبادئ التي ينطوي عليها الوعي بكل أشكاله وتعقيداته.
المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر
أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.

دراسة ميدانية تكشف كيف تسمع أسماك القرش وتحدد مصدر الصوت من 74 متراً
أجرى باحثون أمريكيون أول دراسة ميدانية كمّية لسمع أسماك القرش الحرة في المحيط، وتبيّن أن أسماك القرش السوداء الزعنفة تكشف الأصوات منخفضة التردد من مسافة تصل إلى 74 متراً وتحدد اتجاهها بدقة.

فيزيائيون في كالتك يرصدون سلّماً طاقياً كمومياً تنبأت به نظرية قبل 40 عاماً
تمكّن فيزيائيون في معهد كالتك من قياس أنماط طاقة كمومية تنبأت بها نظرية الحقل المطابق منذ أربعة عقود، باستخدام ذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية، في تأكيد تجريبي دقيق لنظرية رياضية طويلة الأمد.

دراسة ضخمة: واحد من كل 13 شاباً يحمل تصلب شرايين صامتاً دون أن يعلم
كشفت دراسة REACT التي شملت أكثر من 16800 شخص سليم ظاهرياً أن تصلب الشرايين يبدأ في سن مبكرة أكثر من المتوقع، حيث يحمله واحد من كل 13 شاباً بين 18 و29 عاماً دون أي أعراض.

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد
فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة
باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.