الطاعون كان يحصد العائلات بأكملها قبل 5500 عام في سيبيريا
دراسة في مجلة Nature تُثبت أن بكتيريا يرسينيا بستيس أبادت عائلات من صيادي ما قبل التاريخ منذ 5500 عام، وأن سلالاتها القديمة كانت تحمل مستضداً فائقاً يُفسّر فتكها الشديد.
كشف بحث علمي رائد نشرته مجلة Nature في سبتمبر 2026 أن مرض الطاعون كان يُهلك عائلات بأسرها في المجتمعات الصيادة قبل 5500 عام في منطقة بحيرة بايكال بسيبيريا، سابقاً بآلاف السنين الطاعونَ الأسود الشهير الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر. وتتحدى هذه النتائج الافتراضات السائدة القائلة بأن الطاعون لم يبلغ فتكه الحقيقي إلا بعد تطور نقله عبر البراغيث في المجتمعات الزراعية المكتظة.
استخرج فريق من جامعة كوبنهاغن الحمض النووي القديم من بقايا 46 فرداً في أربعة مواقع دفن لصيادي ما قبل التاريخ على ضفاف بحيرة بايكال، فوجدوا أن 18 منهم أي ما يقارب 40% كانوا مصابين ببكتيريا يرسينيا بستيس المسببة للطاعون. هذه النسبة مثيرة للدهشة إذ تُضاهي نسب الإصابة التي وُثّقت في بعض مقابر الطاعون الأسود الأوروبي.
ما أضفى على الاكتشاف بُعداً بالغ التأثير هو الأنماط الديموغرافية التي رصدها علماء الآثار: كشف التأريخ بالكربون المشع أن كثيراً من الوفيات وقعت في حقبة زمنية متقاربة جداً، مع حضور لافت للأطفال وأفراد من عائلات واحدة. يقول عالم الآثار أندجيه ويبر: "العدد الاستثنائي من الأطفال والفترة الزمنية القصيرة كانا لغزاً حقيقياً". وتُشير المواقع إلى أن تجمعات الصيادين المتنقلة كانت تتلاقى موسمياً، مما خلق فرصاً لانتشار العدوى سريعاً وإن بدت في مواجهة مجتمعات صغيرة متناثرة.
الاكتشاف الأكثر أهمية من الناحية العلمية أن الباحثين وجدوا في جينوم سلالات الطاعون القديمة هذه مستضداً فائقاً، وهو جزيء بروتيني تُنتجه بعض البكتيريا ويُطلق استجابة مناعية مفرطة وعاصفة قد تكون قاتلة في حد ذاتها. والمثير أن هذا المستضد الفائق غائب في السلالات التاريخية والحديثة من الطاعون، مما يعني أن الطاعون القديم ربما كان أشد فتكاً من خلفائه على المستوى الجزيئي، حتى قبل أن يكتسب تعقيدات الانتقال عبر البراغيث.
اعتمد الباحثون على علم الجينومات الأثري لإعادة بناء الجينومات البكتيرية الكاملة من الأسنان المحفوظة في الرفات، مدمجين التحليل الجيني مع الدراسات الأثرية وبيانات التأريخ الإشعاعي. وقد فتح هذا المنهج متعدد التخصصات أفقاً جديداً لفهم كيف تطورت الأمراض المعدية قبل انتشار الزراعة والمدن.
يتقاطع هذا البحث مع التاريخ الطبي للعالم العربي الذي كان على مرّ القرون ممراً رئيسياً لانتشار الأوبئة بين القارات. وتُسهم مراكز أبحاث بارزة كمعهد الجينوم السعودي ومبادرة محمد بن راشد للطب الجيني في الإمارات في تطوير قدرات الجينومات الأثرية التي تُمكّن من تتبع مسارات الأمراض التاريخية عبر المنطقة. ويُفتح هذا البحث آفاقاً لإعادة قراءة المخطوطات الطبية العربية القديمة التي وثّق فيها أطباء كابن سينا والرازي ظواهر وبائية بتفصيل نادر، ربما كانت مرتبطة بسلالات مجهولة من الطاعون.
تتجاوز أهمية هذه الدراسة التاريخ القديم لتُلقي ضوءاً على مسارات تطور مسببات الأمراض. فالطاعون لم يكن يحتاج إلى مدن مكتظة أو براغيث لينتشر بفتك؛ بل كان قادراً على اجتياح مجتمعات الصيادين الصغيرة في تجمعاتها الموسمية المحدودة. وهذا يُعيد رسم خريطة أوبئة ما قبل التاريخ البشري على نحو يستوجب دراسة مواقع أثرية أخرى حول العالم.
المزيد من صحة

دراسة: اتباع حمية مايند بدقة قد يؤخر شيخوخة الدماغ عامين ونصف
دراسة طويلة الأمد على أكثر من 1600 شخص تربط التزام حمية مايند الغذائية بتباطؤ فقدان المادة الرمادية في الدماغ، مع دور خاص للتوت والدواجن في حماية صحة الدماغ مع التقدم في السن.

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد
فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة
باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

علماء يطورون نظام ذكاء اصطناعي يعيد بناء الصور من مسح الدماغ في ساعة واحدة
باحثون في معهد وايزمان يطورون مُفسِّراً دماغياً بالذكاء الاصطناعي يعيد بناء ما يراه الشخص من بيانات التصوير الوظيفي، ويخفض زمن المعايرة اللازم من 40 ساعة إلى ساعة واحدة فقط.

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟
أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

بيرسيفيرانس يكشف تاريخاً مائياً معقداً داخل فوهة جيزيرو المريخية
كشفت مركبة بيرسيفيرانس عن ثلاث مراحل متعاقبة من تفاعل الماء مع صخور فوهة جيزيرو على المريخ، من مياه جوفية إلى موائع حرارية ساخنة، في مؤشر على تاريخ مناخي معقد وبيئة قديمة قد تكون صالحة للحياة الميكروبية.