النقاط الحمراء الصغيرة لتلسكوب ويب: ثقوب سوداء تنمو بسرعة خيالية في كون مبكر
كشفت محاكاة الحاسوب العملاق أن الأجرام الغامضة التي رصدها تلسكوب جيمس ويب وعُرفت بالنقاط الحمراء الصغيرة هي ثقوب سوداء نمت بمعدلات تفوق قدرتنا على التخيل في الكون الأول.

طالما أربك علماء الفلك وجود تلك الأجرام الفلكية الغريبة التي رصدها تلسكوب جيمس ويب الفضائي في الكون البعيد والمبكر؛ أجرام صغيرة وحمراء لا تنتمي إلى أي تصنيف مألوف، أُطلق عليها اسم النقاط الحمراء الصغيرة. والآن، وفي سبتمبر 2026، تُقدّم محاكاة الحاسوب العملاق أول إجابة متماسكة: هذه الأجرام ليست سوى ثقوب سوداء كانت تبتلع المادة بمعدلات تفوق عشرات أضعاف ما تستطيعه الثقوب السوداء في كوننا الراهن.
خلص فريق بحثي بقيادة سونميون تشون من معهد ماكس بلانك لعلم الفيزياء الفلكية إلى هذه النتيجة، بعد أن أجرى محاكاة الحاسوب العملاق الياباني أتيروي الثالث بدقة فائقة لظروف الكون في مراحله الأولى، وهي ظروف لا وجود لها في الكون المعاصر. ونُشرت النتائج في مجلة نيتشر العلمية المرموقة.
لفهم هذا الاكتشاف، لا بد من استحضار أحد أعقد الألغاز الكونية: لماذا تحتوي مراكز بعض المجرات القديمة جداً، التي نشأت قبل ستمئة مليون سنة فحسب من الانفجار الكبير، على ثقوب سوداء هائلة تبلغ كتلتها مليارات كتل الشمس؟ فليس ثمة وقت كافٍ لنمو هذه الأجسام وفق الآليات المعروفة التي تحكم الثقوب السوداء اليوم. وقد ظل هذا اللغز عصياً على الحل لعقود.
تُقدّم نتائج الدراسة الجديدة رواية متماسكة للإجابة عن هذا السؤال. في الكون الأول، كانت سحب الغاز الكثيفة تتعرض لكميات هائلة من الإشعاع فوق البنفسجي البعيد القادم من النجوم العملاقة المجاورة. هذا الإشعاع كان يمنع تفتت الغاز إلى نجوم صغيرة، مما أجبر كتل الغاز الضخمة على الانهيار الكلي مباشرةً لتكوّن نجوم عملاقة بالغة الضخامة، ثم سرعان ما تنهار بدورها مُكوّنةً بذور الثقوب السوداء. وبمجرد أن ابتدأت هذه الثقوب الفتية في النمو، وجدت أمامها كميات هائلة من الغاز الكثيف في محيطها تستطيع ابتلاعه عبر قرص التراكم بمعدلات أعلى بعشرات المرات من المعدلات الممكنة في الكون الراهن.
ومع ذلك النمو الهائل تتولّد كميات ضخمة من الإشعاع والحرارة تُنير المنطقة المحيطة بالثقب الأسود، مما يُعطيها مظهراً أحمر صغيراً ومُضيئاً يتطابق تماماً مع ما رصده تلسكوب جيمس ويب في النقاط الحمراء الصغيرة. ويُؤكد الباحثون أن الأنماط المحاكاة تُشابه بصورة لافتة الخصائص المرصودة لهذه الأجرام الغامضة.
تحمل هذه النتائج أهمية استثنائية لفهم تاريخ الكون. فإذا صحّت هذه الرواية، فمعناها أن الظروف الخاصة جداً التي سادت في الكون المبكر هي ما أتاح نشأة الثقوب السوداء العملاقة بهذه السرعة القياسية التي عجزنا طويلاً عن تفسيرها. وهي ظروف لن تتكرر أبداً في الكون الراهن.
تتقاطع نتائج تلسكوب جيمس ويب مع الاهتمام العربي المتنامي بعلم الكونيات. فقد نجح مسبار الأمل الإماراتي في تأسيس حضور عربي راسخ في استكشاف الفضاء، وتستعد وكالة الفضاء الإماراتية لمهمتها القادمة نحو حزام الكويكبات. كذلك تدعم هيئة الفضاء السعودية ومركز الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (كاكست) برامج بحثية في الفيزياء الفلكية الكونية، بما فيها الشراكة مع شبكات الرصد الدولية التي تُحلّل بيانات تلسكوب جيمس ويب. وفهم كيف تشكّلت الثقوب السوداء العملاقة في الكون المبكر ليس مجرد فضول علمي، بل يُمثّل حجر الأساس لفهم كيف تشكّلت المجرات التي تحتضن النجوم والكواكب، ومنها كوكبنا.
يُفتح هذا الاكتشاف كذلك الباب أمام تساؤلات جديدة: كم عدد هذه الأجرام في الكون المرصود؟ وهل ثمة أجرام مماثلة لم نرصدها بعد؟ وما العلاقة التفصيلية بين مرحلة النمو الهائل هذه والمجرات التي تحتضنها؟ ويُؤمل أن توفر الأجيال القادمة من التلسكوبات الفضائية إجابات أكثر دقة عن هذه التساؤلات، مُكملةً الصورة الكونية التي يرسمها تلسكوب جيمس ويب يوماً بعد يوم.
المزيد من علوم

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد
فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة
باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

جوجل تطلق أول شريحة تنسورية إلى الفضاء ضمن مشروع مراكز بيانات مدارية
جوجل تختبر تشغيل شريحة TPU على متن قمر صناعي في المدار المنخفض، في خطوة أولى ضمن رؤية طويلة الأمد لبناء مراكز بيانات تعمل بالطاقة الشمسية خارج الغلاف الجوي للأرض.

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟
أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

بيرسيفيرانس يكشف تاريخاً مائياً معقداً داخل فوهة جيزيرو المريخية
كشفت مركبة بيرسيفيرانس عن ثلاث مراحل متعاقبة من تفاعل الماء مع صخور فوهة جيزيرو على المريخ، من مياه جوفية إلى موائع حرارية ساخنة، في مؤشر على تاريخ مناخي معقد وبيئة قديمة قد تكون صالحة للحياة الميكروبية.

مهمة كرو-13: دراغون قد تحقق أسرع رحلة أمريكية إلى محطة الفضاء الدولية
تستعد ناسا وسبيس إكس لإطلاق مهمة كرو-13 بأربعة رواد دوليين، في رحلة قد تصل إلى محطة الفضاء الدولية خلال 7 ساعات و50 دقيقة فقط، وهي الأسرع لمركبة أمريكية مأهولة في تاريخ المحطة.