علماء يطورون نظام ذكاء اصطناعي يعيد بناء الصور من مسح الدماغ في ساعة واحدة
باحثون في معهد وايزمان يطورون مُفسِّراً دماغياً بالذكاء الاصطناعي يعيد بناء ما يراه الشخص من بيانات التصوير الوظيفي، ويخفض زمن المعايرة اللازم من 40 ساعة إلى ساعة واحدة فقط.

طور فريق بحثي بقيادة الباحثة ميخال إيراني في معهد وايزمان للعلوم بإسرائيل نظام ذكاء اصطناعي قادراً على إعادة بناء الصور التي ينظر إليها شخص ما استناداً إلى بيانات نشاطه الدماغي الملتقطة بالتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، في تطور كشف عنه الباحثون خلال مؤتمر الحوسبة الإدراكية العصبية الذي عُقد في نيويورك، ويقلّص زمن المعايرة اللازم لكل شخص جديد من 40 ساعة إلى ساعة واحدة فقط.
يقوم النظام، الذي يصفه الباحثون بـ"مُفسِّر الإشارات الدماغية"، على بنية مزدوجة من فرعين متكاملين: الأول يتنبأ ببنية الصورة العامة، مثل الألوان وتوزيع العناصر في الفضاء البصري، والثاني يتنبأ بمحتوى الصورة، أي الأجسام والعناصر الظاهرة فيها. وتُغذّى تنبؤات الفرعين إلى نموذج انتشار يُولّد الصورة النهائية المعاد بناؤها، في عملية تحاكي بشكل تقريبي الطريقة التي يعالج الدماغ البشري بها المعلومات البصرية.
وما يميز هذا البحث هو تطوير "مُرمّز" مكمّل يقوم بالعملية العكسية، أي التنبؤ بالنشاط الدماغي المتوقع عند رؤية صورة معينة، بحيث يتعلم النموذجان من بعضهما بشكل تكراري ويحسّن كل منهما أداء الآخر. واستخدم الفريق بيانات تصوير عالية الدقة من ثمانية متطوعين عُرضت عليهم قرابة 9 آلاف صورة لكل منهم، بدقة تصل إلى مليمتر مكعب واحد لكل وحدة حجمية في الصورة الدماغية الثلاثية الأبعاد، مقارنة بالدقة المعتادة البالغة ثلاثة مليمترات مكعبة، فيما جاء ما يقارب 70 بالمئة من بيانات التدريب من صور لم تُقرن أصلاً بمسح دماغي فعلي.
ويمثل تقليص زمن المعايرة من 40 ساعة إلى ساعة واحدة قفزة عملية مهمة، إذ تتجاوز تكلفة الساعة الواحدة من التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي ما بين 600 و1000 دولار في كثير من المرافق الطبية، وهو ما جعل الأبحاث السابقة في هذا المجال مكلفة للغاية وبطيئة التوسع نحو مشاركين جدد. ويفتح هذا التحسن الباب أمام تطبيق التقنية على نطاق أوسع من الحالات والمرضى.
ومن أبرز التطبيقات المحتملة لهذه التقنية مساعدة المرضى الذين يعانون من "متلازمة الحبس" وفقدوا القدرة على الحركة والكلام، على التواصل من خلال ترجمة نشاطهم الدماغي إلى صور أو كلمات مفهومة. كما يرى الباحثون إمكانية استخدامها مستقبلاً لإعادة بناء الأحلام والصور الذهنية، وهو ما قد يفتح آفاقاً جديدة لفهم آليات التفكير والإدراك البشري.
ومع ذلك، تبقى دقة النظام غير كاملة؛ فقد أشارت إيراني إلى حالات أعاد فيها النظام بناء كعكة في صورة شطائر، أو كلباً في صورة ماعز، وهي أمثلة تُظهر أن التقنية لا تزال بعيدة عن قراءة الأفكار بدقة مطلقة. ووصفت الباحثة جودي إيلس، المتخصصة في أخلاقيات الأعصاب، هذا العمل بأنه "عمل رائع" يحمل إمكانات علاجية "مثيرة للغاية"، بينما حذّر الباحث تومي سبراغ من المخاطر المحتملة، قائلاً: "إذا وُجدت طريقة لاستخراج معلومات عما يفكر فيه شخص ما خفية عنه، فإن ذلك أمر يثير القلق."
وردّت إيراني على هذه المخاوف بالقول إنها "تحاول أن تفكر فقط في الأشياء الجيدة" المرتبطة بهذه التقنية، في إشارة إلى احتمال استخدام أجهزة أرخص وأكثر انتشاراً كتخطيط كهربية الدماغ لاستخلاص معلومات مماثلة مستقبلاً دون إذن الشخص، وهو تحدٍ أخلاقي يرى الباحثون أنه يستحق نقاشاً جاداً مع تقدم هذا النوع من تقنيات واجهة الدماغ والحاسوب.
ويختلف هذا النوع من "مُفكِّكات الدماغ" جذرياً عن أدوات قراءة الأفكار التي تصورها الخيال العلمي، فهو لا يعمل إلا على بيانات تصوير دماغي عالية الدقة ومكلفة يصعب جمعها خفية عن الشخص، على عكس تخطيط كهربية الدماغ الأرخص والأكثر انتشاراً الذي قد يصبح يوماً ما أداة لاستخلاص معلومات مشابهة بطريقة أقل تدخلاً وأكثر قابلية للانتشار التجاري، وهو ما يفسر تركيز النقاش الأخلاقي الحالي على المستقبل أكثر من الحاضر.
وتندرج هذه الدراسة ضمن موجة أوسع من الأبحاث التي تستغل نماذج الانتشار التوليدية، نفسها التي تقف خلف أدوات توليد الصور الشائعة تجارياً، لكن بتوجيهها هذه المرة ببيانات عصبية بدلاً من نص وصفي كما هو معتاد. ويرى مراقبون في مجال علوم الأعصاب أن الجمع بين نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي والتصوير العصبي يفتح مرحلة جديدة من الأبحاث القادرة على ربط الأنشطة الدماغية المجردة بمخرجات مرئية وملموسة يسهل على غير المتخصصين تفسيرها وفهمها، بدلاً من الاعتماد على أنماط إحصائية معقدة يصعب تأويلها مباشرة.
يتصاعد الاهتمام بتقنيات واجهة الدماغ والحاسوب في القطاع الصحي العربي، ولا سيما في مركز الملك فيصل التخصصي في السعودية ومستشفى كليفلاند كلينيك أبوظبي في الإمارات. ويعاني الوطن العربي من نقص في الكوادر المتخصصة في إعادة التأهيل العصبي، مما يرفع من قيمة الأدوات التكنولوجية القادرة على تيسير التواصل للمرضى المصابين بمتلازمة الحبس الناجمة عن جلطات دماغية، التي تُعدّ من أعلى الحالات انتشاراً في المنطقة. ويُسهم خفض تكلفة المعايرة الزمنية من 40 ساعة إلى ساعة واحدة في رفع جدوى هذه التقنية للتطبيق الأوسع في المستشفيات العربية.
ويشير الباحثون إلى أن الخطوة المقبلة في هذا المسار تتمثل في اختبار النظام على مجموعات أكبر من المشاركين من خلفيات ديموغرافية متنوعة، للتأكد من أن التحسينات التي حققها النموذج العام في المعايرة السريعة لا تقتصر فقط على الفئة الصغيرة من المتطوعين الثمانية الذين شاركوا في الدراسة الأولية، إضافة إلى العمل على تحسين دقة إعادة البناء للتقليل من الأخطاء الملحوظة في تمييز الأجسام المتشابهة.
المزيد من ذكاء اصطناعي

معالج ضوئي يكتشف التزييف العميق في الفيديو بدقة تقارب 98%
باحثون في جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس يطورون معالجاً عصبياً ضوئياً يفحص عشرات مقاطع الفيديو في آنٍ واحد باستخدام الضوء بدلاً من الكهرباء، لكشف التزييف العميق بدقة واستهلاك طاقة منخفضين.

دراسة: اتباع حمية مايند بدقة قد يؤخر شيخوخة الدماغ عامين ونصف
دراسة طويلة الأمد على أكثر من 1600 شخص تربط التزام حمية مايند الغذائية بتباطؤ فقدان المادة الرمادية في الدماغ، مع دور خاص للتوت والدواجن في حماية صحة الدماغ مع التقدم في السن.

أرمادين: 255 مليون دولار لحماية الشركات بأسراب الذكاء الاصطناعي
مؤسس مانديانت كيفن مانديا يطلق أرمادين، شركة تستخدم أسراباً من عوامل الذكاء الاصطناعي المستقلة لمحاكاة هجمات القراصنة واختبار دفاعات الشركات بتكلفة أقل وسرعة أكبر.

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟
أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

كبير باحثي OpenAI يدافع عن سلامة النماذج بعد اختراق Hugging Face
مارك تشين، كبير مسؤولي الأبحاث في OpenAI، يرد على تداعيات اختراق عوامل الذكاء الاصطناعي لمنصة Hugging Face، ويشرح إجراءات السلامة الجديدة ومراقبة التدريب التي تبنتها الشركة.
ريديت تغلق خلاصات RSS وواجهتها البرمجية العامة بسبب روبوتات الذكاء الاصطناعي
منصة ريديت تعلن وقف دعم خلاصات RSS في نوفمبر 2026 وإنهاء الوصول العام إلى واجهة برمجة التطبيقات في مارس 2027، بذريعة مكافحة استخلاص البيانات الآلي.