علماء يُجسّدون استخلاص الطاقة من الثقوب السوداء الدوّارة في مختبر أرضي لأول مرة
باحثون في جامعة مدينة نيويورك ينجحون في استخلاص الطاقة من منظومة دوران اصطناعية باستخدام رنانات إلكترونية، مُجسّدين نظرية الإشعاع الفائق لبنروز-زيلدوفيتش المقترحة منذ أكثر من خمسين عاماً.

لأول مرة في التاريخ، يُوظّف علماء تجربةً مختبرية لتجسيد ظاهرة فيزيائية كانت حبيسة الحسابات النظرية والفضاء العميق: استخلاص الطاقة من ثقب أسود دوّار. وقد حقق ذلك باحثون في مركز العلوم المتقدمة بجامعة مدينة نيويورك، مُفتتحين بذلك باباً جديداً في فيزياء المواد الميتامادية وتطبيقاتها.
يمتد تاريخ هذه الظاهرة إلى مطلع السبعينيات، حين طرح الفيزيائي الرياضي البريطاني روجر بنروز فكرة إمكانية استخلاص الطاقة من الغلاف المريح للثقب الأسود الدوّار، وهو منطقة فلكية خاصة تقع خارج أفق الحدث. وبشكل مستقل، تنبأ الفيزيائي الروسي يعقوف زيلدوفيتش بأن الأمواج الكهرومغناطيسية التي تمر عبر هذا الغلاف ستكتسب طاقة من زخم دوران الثقب الأسود وتخرج أكثر قوةً مما دخلت، في ظاهرة باتت تُعرف بالإشعاع الفائق لبنروز.
لعقود طويلة، ظل هذا المفهوم حبيس النماذج الرياضية والفلكية، إذ لا يمكن لأي مختبر أرضي أن يُنتج ثقباً أسود حقيقياً. غير أن الفريق الأمريكي ابتكر حلاً ذكياً يمكّنه من محاكاة هذه الفيزياء الكونية الشديدة دون الحاجة إلى ثقب أسود حقيقي.
تجسيد المستحيل: الدوران الاصطناعي
اعتمد الفريق على حلقة من الرنانات الإلكترونية، تتغير خصائصها الكهربية بتوقيت دقيق ومتزامن. وعلى الرغم من أن الأجهزة لا تتحرك فيزيائياً، فإن هذا التوقيت الدقيق يُوهم الأمواج الكهرومغناطيسية المارة بأن المنظومة تدور بسرعة خارقة. وهكذا يُعاني الموج من تأثيرات تشبه تماماً تلك التي سيلقاها لو مرّ بالغلاف المريح لثقب أسود دوّار حقيقي.
أوضح الباحث المشارك هادي موسى: الأمواج ذات الخصائص الدورانية المناسبة استخلصت طاقةً من المنظومة وتضخّمت في أثناء مرورها، مُستنسخةً الفيزياء الجوهرية لعملية بنروز-زيلدوفيتش. وأشار المحقق الرئيسي أندريا ألو إلى أن هذا النهج يُمكّن من تضخيم الأمواج باستخدام جهاز يُحاكي الدوران القصوي دون أن يدور فعلاً.
المواد الميتامادية: قلب التجربة
تقوم التجربة على أساس تقنية المواد الميتامادية، وهي مواد مهندَسة اصطناعياً مُصممة لتُظهر خصائص فيزيائية غير موجودة في الطبيعة كالتحكم الدقيق في انتشار الأمواج واتجاهها. ومن خلال هذه المواد، أمكن للباحثين ابتكار دوران اصطناعي يُحاكي الدوران الفعلي للثقب الأسود.
لا تنحصر أهمية هذا الإنجاز في بُعده الفلكي وحده، بل تمتد إلى آفاق تطبيقية واعدة في الاتصالات اللاسلكية والفوتونيات والحوسبة الكمية. ويرى الباحثون أن التفاعل الانتقائي مع الأمواج قد يُتيح في المستقبل تصميم أجهزة جديدة تعمل وفق مبادئ الفيزياء الكونية الأكثر تطوراً.
تجد هذه الاكتشافات أرضاً خصبة في المشهد العلمي العربي الناهض؛ فبرنامج الإمارات للاستكشاف الفضائي أطلق مسبار المريخ (Hope Probe) عام 2021 مُرسياً حضوراً فلكياً عربياً متميزاً، فيما تعمل مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (كاكست) في السعودية على تطوير أبحاث الفيزياء وعلوم المواد. وقد تُسهم اكتشافات المواد الميتامادية في تحفيز شراكات بحثية بين المؤسسات العلمية العربية ومراكز دولية رائدة، لا سيما أن التطبيقات المحتملة في الاتصالات اللاسلكية والفوتونيات تمسّ اهتمامات التحول التقني في المنطقة.
أُنجز هذا البحث بدعم من وزارة الدفاع الأمريكية والمؤسسة الوطنية للعلوم وصندوق سيمونز، ونُشرت نتائجه في دورية Nature عام 2026، مفتتحةً الباب أمام مزيد من التجارب التي تستلهم من الكون الأقصى لخدمة الابتكار التقني الأقرب.
المزيد من علوم

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر
أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.

دراسة ميدانية تكشف كيف تسمع أسماك القرش وتحدد مصدر الصوت من 74 متراً
أجرى باحثون أمريكيون أول دراسة ميدانية كمّية لسمع أسماك القرش الحرة في المحيط، وتبيّن أن أسماك القرش السوداء الزعنفة تكشف الأصوات منخفضة التردد من مسافة تصل إلى 74 متراً وتحدد اتجاهها بدقة.

فيزيائيون في كالتك يرصدون سلّماً طاقياً كمومياً تنبأت به نظرية قبل 40 عاماً
تمكّن فيزيائيون في معهد كالتك من قياس أنماط طاقة كمومية تنبأت بها نظرية الحقل المطابق منذ أربعة عقود، باستخدام ذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية، في تأكيد تجريبي دقيق لنظرية رياضية طويلة الأمد.

دراسة ضخمة: واحد من كل 13 شاباً يحمل تصلب شرايين صامتاً دون أن يعلم
كشفت دراسة REACT التي شملت أكثر من 16800 شخص سليم ظاهرياً أن تصلب الشرايين يبدأ في سن مبكرة أكثر من المتوقع، حيث يحمله واحد من كل 13 شاباً بين 18 و29 عاماً دون أي أعراض.

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد
فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة
باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.