علماء جونز هوبكنز يكشفون خلايا دماغية قديمة تعمل مرشحاً للتركيز وتُقاوم التشتت
حدّد باحثون خلايا عصبية مُثبِّطة في جذع الدماغ تعمل كـ«مرشح تركيز» طبيعي مشترك بين الفقاريات، وتعطّلها يُنتج أعراضاً مشابهة لاضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط.

نجح فريق بحثي من جامعة جونز هوبكنز الأمريكية في تحديد مجموعة من الخلايا العصبية المُثبِّطة في جذع الدماغ تعمل بوصفها «مرشح تركيز» طبيعياً يُمكّن العقل من إقصاء المشتتات والتركيز على ما هو ذو أهمية. ونُشرت الدراسة في مجلة نيتشر كوميونيكيشنز في يونيو 2026، وضمّت فريقاً دولياً واسعاً.
والمفاجئ في هذا الاكتشاف أن هذه الخلايا العصبية تقع في جذع الدماغ، منطقة قديمة تطورياً مشتركة بين معظم الفقاريات من أسماك وطيور وثدييات وبشر. فالتصور السائد كان يُحصر التحكم في الانتباه الانتقائي في القشرة الدماغية الحديثة؛ أما هذا البحث فيُثبت أن الآلية أعمق وأقدم مما ظننا. يُعلّق الباحث الرئيسي نيناد كوتاري بالقول: «تمكّنا من تحديد منطقة قديمة تطورياً في جذع الدماغ تُتيح هذه القدرة»، مُشيراً إلى أن الأسماك والطيور والثدييات والبشر يتشاركون هذه الآلية البيولوجية الأصيلة.
أُجريت التجارب الأساسية على الفئران عبر مهام تعتمد على التركيز البصري، إذ كانت عليها التركيز على مؤشرات بصرية محددة مع تجاهل محفزات جانبية مشتتة، وهي مهام تُشابه نظيراتها في الدراسات السريرية البشرية. وحين تعطّلت هذه الخلايا العصبية المُثبِّطة عبر تقنيات التلاعب الوراثي الدقيق، أصبحت الفئران «مُفرطة التشتت» بصورة لافتة، تُذكّر بأعراض اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط. وكان لافتاً أن إعادة تفعيل هذه الخلايا استعادت التركيز الطبيعي فوراً، مما يُشير إلى علاقة سببية مباشرة لا مجرد ارتباط.
على صعيد الآفاق الطبية، يُشير أستاذ الأعصاب شريش ميسور، المشرف الأول على الدراسة، إلى «توافق النتائج مع خصائص اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط»، مُلمّحاً إلى احتمال أن يعكس هذا الاضطراب في جزء منه خللاً في هذه الخلايا العصبية الجذعية. والخطوة التالية في مسيرة الفريق ستكون دراسة ما إذا كانت هذه الخلايا تعمل بصورة مختلفة لدى المصابين باضطراب نقص الانتباه والتوحد.
يُضيف هذا البحث بُعداً جديداً لفهمنا للانتباه: فبينما تُعالَج اضطرابات الانتباه حالياً بأدوية تؤثر على الدماغ بأكمله، يوفّر تحديد مجموعة خلوية بعينها هدفاً محتملاً لتدخل أكثر دقةً واستهدافاً، سواء بأدوية جديدة أو عبر التحفيز العصبي الكهربائي الدقيق.
وللمنطقة العربية في هذا الاكتشاف وجهٌ يستحق التأمل. فاضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD) ظلّ تاريخياً تشخيصاً يُقابَل بالتشكيك وأحياناً بالوصم الاجتماعي في بيئات عربية كثيرة، مما أبقى نسبة كبيرة من الأطفال والبالغين المصابين به دون دعم كافٍ. وتُولي دول كالمملكة العربية السعودية والإمارات والكويت اهتماماً متزايداً لبرامج الصحة النفسية ضمن إصلاحاتها الصحية الشاملة. وإذا أسفر هذا البحث عن تطوير علاجات أكثر استهدافاً وأقل آثاراً جانبية، فقد يُسهم في نزع وصمة الدواء عن هذا الاضطراب، مما يُشجّع الأسر العربية على طلب التشخيص والعلاج لأبنائها دون تردد.
الأهمية العلمية هنا تتعدى اضطراب نقص الانتباه لتمسّ أسسنا المعرفية في علم الأعصاب: نحن نُعيد كتابة خريطة توزيع الوظائف المعرفية في الدماغ. وما كان يبدو حكراً على القشرة الدماغية يتّضح أنه أكثر توزيعاً مما كنا نعتقد، وأن الدماغ شبكة متكاملة تتشاور فيها مناطق قديمة وحديثة في آنٍ واحد لتُنتج ما نُسمّيه الوعي والتركيز والانتباه.
المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

مسابقة جديدة تتحدى 500 مشارك لعكس أعمارهم البيولوجية خلال ستة أشهر
أطلقت طبيبة أعصاب أمريكية مسابقة تمتد ستة أشهر يحاول فيها نحو 500 مشارك تقليص الفارق بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي، باستخدام فحوصات جينية ودماغية وجسدية متعددة، ولوحة صدارة علنية.

دراسة ميدانية تكشف كيف تسمع أسماك القرش وتحدد مصدر الصوت من 74 متراً
أجرى باحثون أمريكيون أول دراسة ميدانية كمّية لسمع أسماك القرش الحرة في المحيط، وتبيّن أن أسماك القرش السوداء الزعنفة تكشف الأصوات منخفضة التردد من مسافة تصل إلى 74 متراً وتحدد اتجاهها بدقة.

فيزيائيون في كالتك يرصدون سلّماً طاقياً كمومياً تنبأت به نظرية قبل 40 عاماً
تمكّن فيزيائيون في معهد كالتك من قياس أنماط طاقة كمومية تنبأت بها نظرية الحقل المطابق منذ أربعة عقود، باستخدام ذرات سترونشيوم محصورة بملاقط ضوئية، في تأكيد تجريبي دقيق لنظرية رياضية طويلة الأمد.

دراسة ضخمة: واحد من كل 13 شاباً يحمل تصلب شرايين صامتاً دون أن يعلم
كشفت دراسة REACT التي شملت أكثر من 16800 شخص سليم ظاهرياً أن تصلب الشرايين يبدأ في سن مبكرة أكثر من المتوقع، حيث يحمله واحد من كل 13 شاباً بين 18 و29 عاماً دون أي أعراض.

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد
فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة
باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.