عضو مناعي خفي في الجمجمة يُحارب سرطان الدماغ بشكل لم يُعرف من قبل
اكتشف علماء جامعة واشنطن بنى مناعية متخصصة داخل نخاع العظم القحفي تستجيب لأورام الدماغ بسرعة تفوق العقد الليمفاوية البعيدة، في ما قد يُفضي إلى ثورة في علاج سرطان الدماغ.
في اكتشاف يُعيد رسم خريطة الجهاز المناعي البشري، كشف باحثون من كلية الطب في جامعة واشنطن في سبتمبر 2026 أن نخاع العظم القحفي - أي نخاع عظام الجمجمة - يحوي بنى مناعية متخصصة كانت مجهولة تماماً حتى وقت قريب. وقد نشرت الدراسة نتائجها في المجلة العلمية المرموقة نيتشر.
ظل الجهاز المناعي للدماغ لفترة طويلة محل حيرة وتساؤل؛ فقد كان العلماء يعلمون أن الدماغ يتمتع بنوع من الحماية المناعية المستقلة، غير أن آليات هذه الحماية وتفاصيلها بقيت مبهمة. وقد أظهرت الدراسة الجديدة أن الجمجمة نفسها تحمل في نخاعها العظمي بنى تشبه العقد الليمفاوية، لكنها متخصصة تحديداً في الدفاع عن الدماغ المجاور.
أجرى الباحثون تجاربهم على فئران مختبرية مصابة بالورم الأرومي الدبقي، وهو أشد أنواع سرطانات الدماغ الأولية عدوانيةً وأصعبها علاجاً. ووجدوا أن نخاع العظم القحفي استجاب للورم بتسريع إنتاج الخلايا المناعية المتخصصة وتوجيهها إلى موقع الإصابة، وذلك في زمن أقصر بكثير مما تستطيعه العقد الليمفاوية الموجودة في أجزاء بعيدة من الجسم.
وتتمحور آلية هذه البنى حول نوعين من الخلايا المناعية: خلايا T المساعدة للخلايا البائية، والخلايا البائية المنتجة للأجسام المضادة. وقد تمكّن الباحثون من تحفيز هذه البنى لتعزيز استجابتها المناعية لدى الفئران، مما أدى إلى تحسّن ملحوظ في نتائج العلاج.
وصف جوناثان كيبريس، المؤلف الرئيسي للدراسة، هذا الاكتشاف بأنه يُظهر أن "نخاع العظم القحفي ليس مجرد هيكل بنائي، بل يضم مراكز مناعية لم تُكتشف من قبل تضطلع بمهام دفاعية متخصصة بالنسبة للدماغ تحديداً".
تتجاوز تداعيات هذا الاكتشاف علاج سرطان الدماغ لتشمل طيفاً واسعاً من الحالات العصبية. فالباحثون يرون إمكانية توظيف هذه البنى المناعية القحفية في تطوير مقاربات جديدة لعلاج مرض الزهايمر وباركنسون والفصام وربما متلازمة كوفيد المزمن، وذلك عبر استهداف النشاط المناعي المحلي دون التأثير على منظومة المناعة العامة للجسم كله، مما يُقلّل من الأعراض الجانبية الناجمة عن العلاجات التقليدية.
أما على صعيد سرطان الدماغ تحديداً، فإن الورم الأرومي الدبقي يُعدّ من أصعب الأورام مقاومةً للعلاج، إذ يمتلك قدرة هائلة على الاندساس بين خلايا الدماغ السليمة وتطوير مقاومة للأدوية. ويعتقد الباحثون أن تعزيز دور البنى المناعية القحفية قد يُشكّل مسلكاً علاجياً واعداً يستغل موارد دفاعية يمتلكها الجسم بالفعل لكنه لم يتعلم كيف يُحرّكها بالكفاءة الكاملة.
تُشير الأم الجافية، وهي الغشاء الخارجي الواقي للدماغ، إلى إمكانية ملاحَظة أن هذه البنى المناعية تعمل في المنطقة الواقعة بين الجمجمة والأم الجافية، وهو ما يفسّر جزئياً لماذا ظل دورها خافياً طوال هذه العقود.
يحمل هذا الاكتشاف أهمية خاصة للعالم العربي الذي يُواجه عبئاً متصاعداً من أمراض الدماغ. فوفق تقارير منظمة الصحة العالمية تُسجّل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معدلات مرتفعة من الأورام العصبية، كما يُشكّل الزهايمر وباركنسون ضغطاً صحياً متنامياً في دول الخليج مع ارتفاع متوسط الأعمار. وتضطلع مؤسسات بحثية بارزة كمستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض وجدة، ومركز الملك عبدالله الدولي للأبحاث الطبية (كيمارك)، بأبحاث متقدمة في علم الأعصاب والمناعة العصبية. وقد يُمثّل تطوير بروتوكولات علاجية تستهدف هذه البنى المناعية القحفية الجديدة — بتكاليف أدنى من العلاجات المناعية التقليدية — فرصة حقيقية لخدمة ملايين المرضى في المنطقة.
لا تزال الدراسة في مراحلها الأولى، وأجريت على نماذج حيوانية. غير أن الباحثين يُعرّبون عن تفاؤل حذر بأن ثمة آليات مماثلة موجودة في الجهاز المناعي البشري، وأن التحقق من ذلك ثم توظيفه علاجياً قد يُمثّل نقلة نوعية في علاج بعض أعتى الأمراض العصبية شراسةً.
المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

دراسة: اتباع حمية مايند بدقة قد يؤخر شيخوخة الدماغ عامين ونصف
دراسة طويلة الأمد على أكثر من 1600 شخص تربط التزام حمية مايند الغذائية بتباطؤ فقدان المادة الرمادية في الدماغ، مع دور خاص للتوت والدواجن في حماية صحة الدماغ مع التقدم في السن.

رصد وميض سيني قياسي قد يكشف لحظة ولادة نجم مغناطيسي جديد
فريق بحثي دولي يرصد أطول وميض أشعة سينية مسجّل بعد اندماج نجمين نيوترونيين، في حدث يستمر نحو 10 دقائق ويقدّم دليلاً جديداً على كيفية ولادة النجوم المغناطيسية فائقة القوة.

بِت كمي من الهليوم فائق السيولة قد يقلل أخطاء الحوسبة الكمومية 100 مرة
باحثون بريطانيون وأمريكيون يصممون بتاً كمياً جديداً يعتمد على الهليوم فائق السيولة بدلاً من الدوائر فائقة التوصيل، بهدف تقليص معدلات الخطأ الناتجة عن التشويش الكهرومغناطيسي في الحواسيب الكمومية.

علماء يطورون نظام ذكاء اصطناعي يعيد بناء الصور من مسح الدماغ في ساعة واحدة
باحثون في معهد وايزمان يطورون مُفسِّراً دماغياً بالذكاء الاصطناعي يعيد بناء ما يراه الشخص من بيانات التصوير الوظيفي، ويخفض زمن المعايرة اللازم من 40 ساعة إلى ساعة واحدة فقط.

متى يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي حقق اكتشافاً علمياً فعلياً؟
أثار إعلان أنثروبيك عن اكتشاف نمط جيني عبر عملاء كلود جدلاً علمياً حول حدود نسب الاكتشافات للذكاء الاصطناعي، بعدما شكك باحثون في طبيعة الإنجاز الحقيقي.

بيرسيفيرانس يكشف تاريخاً مائياً معقداً داخل فوهة جيزيرو المريخية
كشفت مركبة بيرسيفيرانس عن ثلاث مراحل متعاقبة من تفاعل الماء مع صخور فوهة جيزيرو على المريخ، من مياه جوفية إلى موائع حرارية ساخنة، في مؤشر على تاريخ مناخي معقد وبيئة قديمة قد تكون صالحة للحياة الميكروبية.